اعتبار حديث الكساء من الناحية العقلائية : 

الكتاب : رد الافتراء على حديث الكساء   ||   القسم : كتب متنوعة   ||   القرّاء : 5375

    لقد قامت سيرة العقلاء على العمل بالاطمئنان إذا كان له منشأ عقلائي ، ولهذا جرت طريقة العقلاء على العمل بالخبر المفيد للوثوق والاطمئنان لاحتفافه بالقرائن المفيدة لذلك ، فلو أُخبر موظف بمواعيد الدوام الوظيفي لا يعمل بموجب  الإخبار إن أفاده الاحتمال والشك ، إلا بعد تبين الأمر ، ولكنه يعمل إن حصل له الوثوق و الاطمئنان ، و إن لم يحصل له يقين تام .

    وليس هذا إلا من جهة معاملة العقلاء للوثوق معاملة اليقين والقطع من حيث الآثار المترتبة عليه  ، و الشارع المقدس لم يردع عن هذه الطريقة العقلائية ، فهي مقبولة عنده ، إذ لو كانت غير مرضية لردع عنها ، كما يقول علماء الأصول .

     ونتيجة ذلك حجية كل خبر مفيد للوثوق والاطمئنان عند الشارع المقدس فيما إذا كان منشأ الاطمئنان عقلائياً ، وهذه النتيجة الكبرى والكلية تنطبق على حديث الكساء ، فإنه توجد عدة قرائن تحف بهذا الحديث الشريف وهي بلا مبالغة تفيد الوثوق بالصدور :

    القرينة الأولى : رواية الحديث بأكثر من طريق (العامل الكمي).

     فقد نقله الشيخ عبد الله بن نور البحراني الاصفهاني (رحمه الله) في عوالم العلوم بسند معتبر . قال (رحمه الله): رأيت بخط الشيخ الجليل السيد هاشم البحراني ، عن شيخه الجليل السيد ماجد البحراني ، عن الشيخ الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني ، عن شيخه المقدس الأردبيلي ، عن شيخه علي بن عبد العالي الكركي ، عن الشيخ علي بن الهلال الجزائري ، عن الشيخ أحمد بن فهد الحلي ، عن الشيخ علي بن الخازن الحائري ، عن الشيخ ضياء الدين علي بن الشهيد الأول ، عن أبيه ، عن فخر المحققين ، عن شيخه ووالده العلامة الحلي ، عن شيخه المحقق ، عن شيخه ابن نما الحلي ، عن شيخه الجليل الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي ، عن أبيه شيخ الطائفة الحقة ، عن شيخه المفيد ، عن شيخه ابن قولويه القمي ، عن شيخه الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن هاشم ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، عن قاسم بن يحيى الجلاء الكوفي ، عن أبي بصير ، عن أبان بن تغلب ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري - رحمة الله عليهم أجمعين - قال : سمعت فاطمة الزهراء - سلام الله عليها - . . . إلخ.

     وهذا السند ، وإن ورد فيه ( قاسم بن يحيى الجلاء الكوفي ) وهو بهذا العنوان لم يُنص على وثاقته ، إلا أن الراوي عنه (أحمد بن محمد بن أبي نصر) وهو على المشهور ممن لا يرسل ولا يروي إلا عن ثقة .

     قال الشيخ الطوسي رحمه الله في عدة الأصول ج1 ص 386 : (وإذا كان أحد الراويين مستندا  والآخر مرسلاً نظر في حال المرسل فإن كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره ، ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عمن يوثق به ، وبين ما أسنده غيرهم ).

     وقد قال المحقق الطهراني في الذريعة ج16 ص 36: (غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب الأطهار للشيخ أبي محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي من أهل آخر المائة السابعة وبعدها إلى أواسط الثامنة له (الارشاد) و(أعلام الدين)  وقد نقل عن تصانيفه الشيخ أحمد بن فهد الحلي في (العدة) و(الغرر) هذا ينقل عنه المجلسي في أول (البحار) وأيضاً ينقل عن (الغرر) المولى محمد حسين الكرهرودي المعاصر المتوفى بالكاظمية 1314  في تأليفاته كثيراً منها حديث الكساء بالترتيب الموجود في (منتخب الطريحي) باختلاف يسير جدا بأسانيد متعددة ).

     وقال المرحوم السيد محمد بن السيد مهدي الشيرازي في فقه الزهراء ص 9: (أما سند حديث الكساء فقد رواه والدي (رحمه الله) في رسالة مخطوطة له بسند صحيح متصل الاسناد ، وكل واحد منهم من الأعلام ) والظاهر أن سند السيد الشيرازي يختلف عن ما في عوالم العلوم ،  لأن السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) أشار في الهامش إلى وجود أسناد كثيرة ، ووعد أنه سوف ينقل بعض المصادر في هامش أول الفصل الأول ، وقد نقل هنالك سند الشيخ البحراني في العوالم .

     القرينة الثانية : اشتمال سند الحديث على أوتاد المذهب وكبراء الشيعة  ، وعنايتهم بنقله وتدوينه ، ويتجلى لنا ذلك في السند الذي نقله صاحب عوالم العلوم.

    وقد نقل هذا الحديث جمله من العلماء منهم :

     1ـ العلامة الثقة فخر الدين الطريحي (رحمه الله)في كتاب (المنتخب الكبير).

     2ـ الشيخ أبي محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي في كتاب (غرر الأخبار).

     3ـ الشيخ عبد الله البحراني في كتاب (عوالم العلوم).

     4ـ و في إحقاق الحق للسيد المرعشي (رحمه الله )ج2 ص 553 :

     ( لنختم الكلام بإيراد نسخة من حديث الكساء سائرة دائرة في مجالس المؤمنين شيعة آل رسول الله صلى الله عليه وآله يستشفي بقرائته عند المرضى ويطلب قضاء الحاجات أنقلها من رسالة العالم الجليل الحجة الزاهد الحاج الشيخ محمد تقي بن الحاج الشيخ محمد باقر اليزدي البافقي نزيل قم والمتوفى مظلوما في الأسارة أخذ الله بحقه ممن ظلمه وأجلاه عن وطنه ثم نشير إلى ما وصلت إلينا من سائر النسخ بعونه وكرمه فنقول قال طاب ثراه بعد الحمد والصلاة لأهلهما ما لفظه. . . إلى أن قال : انتهى ما وجدته بخط المرحوم العالم الزاهد البافقي المذكور . ثم طلبت من الفاضل الجليل الحجة الشيخ محمد الصدوقي اليزدي أن يستكتب من نسخة العوالم سند الحديث ومتنه فاسعف مأمولي دام توفيقه فأتاني بالمرجو فقابلته مع نسخة المرحوم البافقي فوجدتهما متطابقتين حرفا بحرف ولم يكن بينهما فرق بنحو من الانحاء غير أن الصدوقي ذكر في كتابه أنه وجد الحديث وسنده مكتوبا في هامش العوالم . وممن نقل المتن العلامة الجليل الثقة الثبت شيخنا فخر الدين محمد العلي الطريحي الأسدي النجفي صاحب مجمع البحرين في كتاب المنتخب الكبير ولا فرق بينه وبين المنقول عن العوالم إلا زيادة أجوبة التسليمات وجملة قوله (ص) اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي الخ . وممن يوجد في كلماته هذا المتن العلامة الجليل الديلمي صاحب الارشاد في كتابه  الغرر والدرر فيوجد ما يقرب من نصف الخير . وكذا الحسين العلوي الدمشقي الحنفي من أسرة نقباء الشام وقدر ابنه بخطه ونقل العالم الجليل الحجة خازن روضة العظيم بالري الحاج الشيخ محمد جواد الرازي الكنى في كتابه ( نور الآفاق ص 4 طبع طهران ) المتن الذي نقلناه بواسطة المرحوم البافقي عينا حرفا بحرف وقال ما لفظه : وسمعت عن شيخي الثقة الحاج الشيخ محمد حسين السيستاني في سند هذا الحديث  الشريف قال سمعت عن السيد حسن بن السيد مرتضى اليزدي قال روى صاحب العوالم إلى آخر السند الذي نقلناه ويظهر من كلامه أن الحديث مذكور في موردين في المجلد الحادي عشر والمجلد الثاني والستين فلاحظ .

     وقد نظم هذا الحديث الشريف عدة من نوابغ الأدب وفرسان الشعر من أصحابنا وغيرهم ( فمن أجلهم العلامة الفقيه الأديب آية الله أبو المعز السيد محمد ابن العلامة السيد مهدي القزويني الحلي المتوفى 1335 وكان في غاية الجلالة والنبالة من أصدقاء والدي العلامة طاب ثراهما وننقل المنظومة من كتاب البابليات للفاضل المعاصر الجليل الأستاد الشيخ علي الخاقاني النجفي نشر مجلة (البيان ) أدام الله بركته وكثر بيننا أمثاله قال في ( ج 5 ص 252 ط النجف الأشرف ) في ترجمة الناظم ما لفظه : وله ناظما حديث الكساء بهذه الأرجوزة قوله :

 

 

 

روت لنا فاطمة خير النسا

تقــــول أن ســــــيد الأنـــــام

 

حديث أهل الفضل أصحاب الكسا

قـــــد زارنــي يوما من الأيام

فقـال لي إنـــي أرى في بدني

 

ضــــعفا أراه اليوم قد انحلني

قومــــي عليّ بالكـسا اليماني

 

وفــــيه غطـــيني بلا تـــواني

فـــقمت نحـــوه وقــــد لبــيته

 

مســــرعة وبالكــــسا غطيته

وصرت أر نـور وجهه كالبدر

 

فــي أربــع بعد لـــيال عــشر

فمـا مضى إلا يسير من زمن

 

حـتى أتى أبو محـمد الحــسن

فقـــــال يا أمـــــاه إني أجــــد

 

رائحــــــة طيـــــبة اعــــــتقد

بأنـــــــــها رائـــــــــحة النبي

 

أخـي الوصي المرتضى علي

قلت نعم ها هو ذا تحت الكسا

 

مــن عــلة مــدثر بــه اكتسى

فجـــاء نــحوه ابــــنه مسَلِمــا

 

مستــأذنا قــال له ادخل كرما

فمـــا مضــى غيــر القليل إلا

 

وجـــاءني الحســين مســـتقلا

فقـــــال يا أم أشــــــم عــندك

 

رائحـــة كأنها المــسك الذكي

وحـــق من أولاك مـنه شرفا

 

أظنـّـها ريـح النبي المصطفى

قلت نعــم تحت هذا الكسا هذا

 

بجــــنبه أخــــــوك فـــيه لاذا

فجـــاء نحــوه ابنه مســــتأذنا

 

مسَـــلِما قـــال له ادخــل معنا

فــما مضت من ساعة إلا وقد

 

جـــاء أبوهما الغضنفر الأسد

أبـــو الأئــمة الهــــداة النجبا

 

المـرتضى رابع أصحاب العبا

فقــــال يا سيـــدة النســــــــاء

 

ومـــن بها زُوجت في السماء

إنــي أشــم في حمــاك رائحة

 

كـــأنها الــورد الندى فـــائحة

يحكي شذاها عرف سيد البشر

 

وخير من طاف ولبى واعتمر

قــلت نعم تحت الكساء التحفا

 

وضـــم شـــبليك وفيه اكتــنفا

فــجــاء يســتأذن منــه قــائلا

 

أأدخــلن قــال فادخــل عاجلا

قــالت فجئــت نحوهـم مسَلِمة

 

قــال ادخــلي محبوبة مكرمة

فــعند مــا بهم أضاء الموضع

 

وكــلهم تحت الكساء اجتمعوا

نــادى إلــه الخلــق جل وعلا

 

يسمـع أملاك السماوات العلى

أقــســم بالــــعزة والـــــجلال

 

وبارتفــاعي فـــوق كل عــال

ما مـــن سمـــا خــلقتها مبنية

 

        وليس أرض في الثرى مدحية

ولا خـــلقت قــــمرا منـــــيرا

 

كــلا ولا شمسا أضاءت نورا

كـــلا ولا خـلقت بحرا يجري

 

مـــاء ولا فـلك البحار تسري

إلا لأجــل من هم تحت الكسا

 

مــن لــــم يكـن أمرهم ملتبسا

قال الأمــين قلت يا رب ومن

 

تحــت الكســـا بـحقهم لنا أبن

فقــال لـــي هم معدن الرسالة

 

ومـــهبط التنزيل والجـــــلالة

    وقـــــال هــم فــاطمة وبعلها

 

        والمصـطفى والحسنان نسلها

فقــلت : يا رب وهل تأذن لي

 

        أن اهبط الأرض لذاك المنزل

فأغــتدى تحت الكساء سادسا

 

كـــما جــعلت خادما وحارسا

قـــال أهبــطن فجاءهم مسَلِما

 

مســتأذنا يــتلو عـــليهم - إنما

يــــقول إن الله خصـــكم بــها

 

مــــعجزة لمـــن غـــدا منتبها

أقــرأكم رب العـــلى ســلامه

 

وخــصكــم بـغاية الــكـــرامة

وهـــو يقـــول مــعلنا ومفهما

 

أمــلاكـــه الــغر بــما تقـــدما

قـــال – علي - قلت يا حبيبي

 

مــا لاجتــماعـنا من النصيب

فقـــال والله الــذي اصـطفاني

 

وخصــني بالـوحي واجتباني

مــا أن جرى ذكر لهذا الخبر

 

في محفل الأشياع خير معشر

إلا وأنـــزل الإلـــه الرحـــمة

 

وفيــه قد حــفت جنــود جـمة

مــن المــلائك الــذين صدقوا

 

تحرسهم في الأرض ما تغرقوا

كـــلا وليــس فــيهم مهمـــوم

 

إلا وعــــنه كشـــفت غمـــوم

كـــلا ولا طــالب حاجة يرى

 

قضـــاءها علــيه قد تعــــسرا

إلا قضـــى الله الكريم حاجته

 

وأنزل الـسرور فصلا ساحته

قـــال عـــلي نحـن والأحباب

 

شـــيتعنا الـــــذين قدما طابوا

فـــزنا بـــما نلنا ورب الكعبة

 

فلـــيشكرن كــــل فــــرد ربه

 

      انتهى.  وممن نظمه العلامة الجليل المعاصر السيد هاشم بن المحسن اللعيبي الموسوي المتوفى سنة 1371 قال طاب ثراه وحشره الله مع الخمسة الثاوين تحت الكساء :

قال ابن محسن اللعيبي هاشم

 

من قد نماه المرتضى وفاطم

الــــحمد لله مصــــليا عـــلى

 

محــــمد الآل أربـــــاب العلى

وبــــعد إني قــد نظمت خبرا

 

لــنا روتـــه العـــلماء الخبراء

عــن الــــبتول فــــاطم تقول

 

يومـــا أتى منـــزلي الـرسول

ســلّم ثـم قــــال لــــــي آتيني

 

بـــذا الكــــســاء وبه غـطيني

قلت لـه أفديك يا خير الورى

 

مــــاذا تحســـه وما الذي عرا

قــــال أحس ضـعفا اعتراني

 

فــي بدني يا خيـــرة الـنسوان

لمـــا سمـــعت مـن أبي آتيته

 

بـــذلك الكـــســـاء قد غـطيته

وبـــعد ســــاعة من النـــهار

 

أتى ابني الــــزكي ذو الأنوار

ســــلّم قــــــائلا أشم رائحــة

 

عـــندك يا أمــــاه كانت فائحة

كأنـــــها رائحـــــة المخــتار

 

المصطفى جدي حبيب الباري

قـــلت نعم يا زهــــر الزمان

 

ذا نائم تــــحت الكساء اليماني

     إلى آخر تلك المنظومة الشريفة الراقية .

     وممن نظم العلامة مروج المذهب في الأقطار السورية آية الله شيخنا في الرواية الفقيد المرحوم السيد محسن الأمين الحسيني العاملي صاحب كتاب أعيان الشيعة حيث يقول (قدس سره) في قصيدته الشهيرة التي أنشدنيها ببلدة قم المشرفة عام مجيئه إلى بلاد إيران حيث يقول :

وخامس أصحاب الكسا إذا اكتسى

 

بـه أحمد وابناك والبضعة الطهر

وســادسكم جبريل ليس مشاركا

 

لـكم فيه زيد في الأنام ولا عمرو

وهند أرادت أن تــشارككم بـــه

 

فــأخــرها الـــهادي وأفعالها غر

لأنت إلـــى خير ولــكن تأخري

 

فــــلـلآل قــدر ولا يــماثله قـــدر

 

     القرينة الثالثة : مناسبة لغة الحديث و انسجام أسلوبه مع الأحاديث الواردة عن  أهل بيت العصمة (عليهم السلام) .

     قال السيد السيستاني (حفظه الله) في قاعدة لا ضر ص 214: فإنه كلما كانت هناك مجموعتان منسوبتان إلى شخص أو جهة وكانت إحداهما مقطوعة الانتساب والأخرى مشكوكة ، فإنه لا بد في الوثوق بالمجموعة الثانية من الرجوع إلى المجموعة الأولى باعتبارها السند الثابت في الموضوع .

     وملاحظة روحها وخصائصها العامة ، ثم عرض تلك المجموعة على تلك المبادئ المستنبطة فما وافقها قبل وما خالفها رد . وربما تداول إجراء مثل هذه الطريقة في تحقيق الكتب أو الأشعار المشكوكة النسبة ونحوها فإنها تقارن بما ثبت عن الشخص ثبوتا قطعيا ، بعد درس مميزاته وخصائصه ثم يحكم فيها على ضوء ذلك فلو فرضنا إن شعرا نسب إلى مثل الرضي أو مهيار الديلمي أو إلى حافظ أو سعدي ، وهو لا ينسجم مع ما عرف به من أسلوب ومن صفات نفسية ومميزات فكرية فإنه لا تقبل النسبة لان كان الذي نسبه إليه رجل ثقة . وبمثل ذلك أبطل بعضهم دعوى قوم أن بعض نهج البلاغة مصنوع ومختلق ، ففي شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة عن مصدق بن شبيب الواسطي إنه قال قلت لأبي محمد عبد الله ابن احمد المعروف بابن الخشاب - في كلام عن الخطبة الشقشقية - : ( أتقول : إنها منحولة ! فقال : لا والله ، وإني لاعلم أنها كلامه كما أعلم أنك مصدق . قال فقلت له : إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضي (رحمه الله ) فقال : إن للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب . قد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر ) .

     وقال ابن أبي الحديد نفسه في إبطال هذه الدعوى : ( إن من أنس بالكلام والخطابة وشدا طرفا من علم البيان وصار له ذوق في هذا الباب لا بد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح وبين الفصيح والأفصح وبين الأصيل والمولد . وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط فلا بد أن يفرق بين الكلامين ويميز بين الطريقتين ، ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفحنا ديوان أبي تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام نفسه وطريقته ومذهبه في القريض ، ألا ترى إن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه لمباينتها لمذهبه في الشعر وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس كثيرا لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة ) . وقال ( وأنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا ونفسا واحدا وأسلوبا واحدا كالجسم البسيط الذي لا يكون بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الابعاض في الماهية وكالقرآن العزيز أوله كوسطه وأوسطه كآخره ، وكل سورة منه وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الآيات والسور . ولو كان بعض نهج البلاغة منحولا وبعضه صحيحا لم يكن ذلك كذلك فقد ظهر لك بالبرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام )     

     والسر في هذا المعنى : أن كل مقتن أو مؤلف أو شاعر لا محالة يجمع شتات ما يصدر منه مبادئ عامة سارية في مختلف آثاره تشترك فيها وتتسانخ بحسبها.

     القرينة الرابعة : كون الحديث في مقام المدح والثناء على أهل بيت العصمة  (عليهم السلام) ، وقد كانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على تكرار فضائلهم والتفنن في كيفية إبراز عظيم شأنهم ، فقد نقل العامة والخاصة روايات كرر ألفاظها رسول الله في عدة مواطن  ، كحديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) و حديث (علي مني بمنزلة هارون من موسى) و حديث (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)، فليس من المستبعد أن يكرر الرسول (صلى الله عليه وآله)بيان فضل أهل البيت (عليهم السلام) من خلال تكرار تجليلهم بالكساء في بيت أم سلمة (رضوان الله عليها) وفي بيت الصديقة الكبرى (عليها السلام).

     أقول : هذه وغيرها قرائن تفيد الوثوق بصدور حديث الكساء عن الصديقة الكبرى (عليها السلام ) ، ولو تنزلنا عن ذلك فسنده صحيح على مبنى المشهور لمكان وثاقة جميع رواته ، ولو تنزلنا عن ذلك ، فإن ما ذكرناه  من قرائن تبعد احتمال الوضع والدس ، وتجعله احتمالاً غير عقلائي ، هذا مضافاً إلى عدم وجود قرائن يمكن الاعتماد عليها في إثبات الوضع إذ ليس كل حديث ضعيف يعلم بوضعه ودسه.

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • كتب فقهية
  • كتب عقائدية
  • كتب متنوعة
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • راسلنا - إتصل بنا
  • أرسل إستفتاء / سؤال
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

 زاد المعاد : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه  @  www.zaad.org

تصميم وبرمجة وإستضافة الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net