المقدمة: 

الكتاب : معالم الإمامة في زيارة أمير المؤمنين(ع) يوم الغدير   ||   القسم : كتب عقائدية   ||   القرّاء : 2280

 

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين .

     حديثنا في هذه الأوراق سوف يكون حول معالم الإمامة في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الغدير الواردة عن الإمام الهادي (عليه السلام) ، وقبل الدخول في بيان بعض معاني هذه الزيارة الشريفة و اقتطاف بعض ثمارها من المفيد جداً أن نتعرض لمطلبين :

     المطلب الأول: أهمية التعمق في معرفة أهل البيت (عليهم السلام) .

     معرفة المعصومين (عليهم السلام) تنقسم إلى معرفة واجبة ومعرفة غير واجبة ، فمعرفة إمامتهم وعصمتهم ، وحجيتهم ، وافتراض طاعتهم من قبل الله (عز وجل) معرفة واجبة ، فلا يجوز لأحد من الناس الجهل بذلك ، ويستحق الجاحد أو المقصر في معرفة ذلك العقاب من قبل الله (عز وجل) ، وهذه أدنى مراتب معرفتهم ، وبهذه المعرفة فسرت ـ في بعض الروايات(2). ففي نهج البلاغة يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : (لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه)(3). وفي بحار الأنوار قال (صلوات الله وسلامه عليه) : (أنا باب حطة من عرفني وعرف حقي فقد عرف الله)(4).

     وأما معرفة بعض مراتبهم العالية ، وما خصهم الله من فضائل وخصال حميدة وجلية ، كسعة علمهم  لموجودات عالم التكوين وولايتهم التكوينية ، وموقعهم الوجودي في سلم النزول والصعود ، فهي ليست معرفة واجبة ، ولكن توجد عدة أدلة  تدل على حسن هذه المعرفة وأصل مطلوبيتها ، ولعل من أهم تلك الأدلة الروايات المتواترة إجمالاً والتي تعرضت لبيان هذه المقامات العظيمة كأولية خلق أنوارهم واختصاصها و وساطتها ، و سعة علومهم وتفاوتها ، وكيفية خلق أجسادهم وما يكون مآلها ، فإن بيان هذه المعاني المقدسة من قبل المعصوم الأمين على وحي الله ومبلغ رسالاته في روايات متواترة إجمالاً ، وفي أماكن متعددة و لأفراد مختلفة يدل عرفاً  دلالة واضحة على أصل مطلوبية هذه المعرفة عند الله عز وجل ، هذا مضافاً إلى ما استفاض من الحث على التعمق في معرفتهم (علهم السلام)، وجعل ذلك معرفة لله (عز وجل) ، وسبباً لتضاعف الأجر.

     ففي أصول الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام ) في تفسر قوله تعالى : {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}آل عمران162 أنه قال: (الذين أتبعوا رضوان الله هم الأئمة وهم والله يا عمار درجات للمؤمنين بولايتهم ومعرفتهم إيانا يضاعف الله لهم أعمالهم ويرفع الله لهم الدرجات العلى)(5). وفي بصائر الدرجات يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (نحن الأعراف الذين لا يعرف الله إلا عن طريق معرفتنا)(6).

     ونقل العلامة الحويزي (رحمه الله)في تفسير (نور الثقلين) عن الكليني (رحمه الله) في أصوله عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى : {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأعراف180 أنه قال : (نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا)(7). وفي تفسير قوله تعالى : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ }القدر1 يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : (الليلة فاطمة ، والقدر الله ، فمن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر)(8).

      ولكن ينبغي أن نلتفت إلى مسألة مهمة وهي : أن جملة من النصوص التي تبلغ حد التواتر الإجمالي قد دلت على عدم إمكان إحاطة الناس بكنه مقام أهل البيت (عليهم السلام) ففي زيارة يوم الغدير يقول الإمام الهادي (عليه السلام) مخاطباً جده أمير المؤمنين (عليه السلام): (صلوات الله عليك غاديةً ورائحة ، وعاكفة وذاهبة ، فما يحيط المادح وصفك ولا يحبط الطاعن فضلك)، وفي الزيارة الجامعة يقول (عليه السلام): (موالي لا أحصي ثناءكم ولا أبلغ من المدح كنهكم ومن الوصف قدركم ).

     وقد أفرد الثقة الجليل أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار المتوفي سنة 290 هـ في كتابه (بصائر الدرجات) أربعة أبواب بعنوان : (في أئمة آل محمد حديثهم صعب مستصعب)(في أئمة آل محمد أن أمرهم صعب مستصعب) (تتمة أمرهم صعب مستصعب) (في أن علم آل محمد سر مستسر) وأورد فيه عدة روايات منها : ما رواه عن أبي الصامت سمعت أبا عبد الله (عليه السلام): ( إن من حديثنا ما لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد مؤمن . قلت فمن يحتمله ؟ قال : نحن )(9).  

    فكمالهم (عليهم السلام) لا يحد ، وجمالهم لا يمكن أن يوصف ، فهم كلمات الله التامات التي تلقاها {آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(10) وقد قال الله عز وجل في وصفها : {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}الكهف109.

     من هنا علينا أن نعترف بعدم القدرة على الإحاطة بهم ، وبالعجز عن إدراك كنه معرفتهم ، وعلينا أن نخضع لهم بالاعتراف بألا طريق إلى معرفتهم إلا هم ، وهذا هو المنهج القويم الذي ينبغي أن يسلك للوقوف على بعض ما آتاهم الله (عز وجل) من فضله .

      يقول الشيخ الوحيد الخراساني (حفظه الله) : إن شخصية كأمير المؤمنين (عليه السلام) : ينبغي أن تعرفها شخصية مثل الإمام الهادي (عليه السلام) ! أما نحن جميعاً من الصدر إلى الذيل ، فيجب أن نكم أفواهنا ونتأمل فيما قاله الذين يستحقون أن يكونوا مداحين لأمير المؤمنين (عليه السلام)(11).

    المطلب الثاني : في تطور بيان الأئمة (عليهم السلام) للمعتقد الإمامي.

     المعتقد الإمامي واحد ثابت في كل أصوله وما يتفرع منها ، لم يتبدل ولم يتطور من زمن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإلى يوم الناس هذا ، فحديثنا حول التطور ليس في نفس المعتقد ، وإنما في بيان وإظهار المعتقد من قبل الأئمة عليهم السلام .

      فإن بيان  وإظهار وإعلام الناس بالعقائد من قبل الأئمة مر بعده مراحل :

     فتارة يكون بياناً مبسطاً يفهمه عامة الناس ولا يبرز عمق واقع  الخصوصيات العقدية لمذهب أهل البيت عليها السلام ، وتارة يكون عميقاً مبيناً للب المعتقد ، وشاملاً جامعاً لجميع الخصوصيات التي تميز المعتقد  الإمامي عن سائر المعتقدات.

     ولم يصل بيان الأئمة عليهم السلام للمعتقد الإمامي إلى أعلى مراتب عمقه إلا في عصر الأئمة المتأخرين كالإمام الرضا والجواد والهادي عليهم السلام ، وهذا ما سوف نقف عليه عند الحديث عن عقيدة الإمامة في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام في يوم الغدير الواردة عن أحد الأئمة المتأخرين ، وهو الإمام الهادي صلوات الله وسلامه عليه .

     والسؤال المهم الذي ينبغي أن نجيب عليه في مقدمة هذا الموضوع هو: ما السر وراء تفاوت بيان الأئمة للمعتقدات الإمامية ؟ لماذا لم يبين رسول الله صلى الله عليه وآله أو أمير المؤمنين عليه السلام ما بينه الإمام الهادي عليه السلام ما دام المعتقد واحد ولم يتغير أو يتبدل؟

     في مقام الجواب ذكرت عدة أسباب نكتفي بذكر بعضها :

     السبب الأول : هو تفاوت الوعي الفكري عند الشيعة .

     المعارف العقدية كأي علم لا يمكن أن يستوعبه الناس دفعة واحدة ، وعليه لا بد من التدرج في البيان بمخاطبة الناس بمقدار ما تستوعبه عقولهم ، يقول الرسول الأكرم (أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم ) ، ويقول الإمام الصادق عليه السلام (إذا رأيت من أقل منك بدرجة فأرفعه إليك برفق ، ولا تحمل عليه ما لا يطيق فتكسره ، فإن من كسر مؤمناً فعليه جبره).

      عدم قابلية تلقي الناس لبعض المعارف أو لعمقها سبب لكتمان تلك المعارف وتأخير بيانها إلى وقت يوجد فيه من هو قادر على تلقيها واستيعاب عمقها ومحتواها .

     ومن هنا نفهم أن كتمان المعتقد ليس عاماً لجميع أفراد الأمة في زمن المعصومين المتقدمين عليهم السلام ، وإنما هو خاص بمن لا يملك أهليه التلقي وهذا لا ينافي وجود بعض الخواص وأهل السر الذين أطلعهم الأئمة المتقدمون عليهم السلام على بعض المعتقدات الخاصة كسلمان المحمدي وأبو ذر الغفاري و هشام بن سالم وجابر الجعفي رضوان الله عليهم جميعاً .

     السبب الثاني : هو العامل الثقافي .

     في عهد المعصومين السابقين عليهم السلام لم ينفتح المسلمون على الثقافات  والتيارات الفكرية  الوافدة  ، وهذا بخلافه في زمن الأئمة المتأخرين عليهم السلام فقد وفدت الديانات والفلسفات المختلفة على بلاد الإسلام بسبب عدة أمور :

     1ـ اعتناق الكثير من اليهود والنصارى والصابئة والفلاسفة للإسلام وانخراطهم بمعتقداتهم السابقة حول الله والعالم في المعاهد العلمية الإسلامية .

     2ـ توسع رقعة الدولة الإسلامية ، وشمولها لبلاد تمتلك تجارب فكرية عريقة تمتد إلى آلاف السنين كبلاد الفرس ، واختلاط المسلمين والمؤمنين بأهل تلك البلاد .

     3ـ ترجمة الكتب المعبرة عن توجهات مخالفة للإسلام ككتب الزرادشتية والصابئة وفلاسفة الشرق والغرب ، وقد نص المؤرخون على أن الترجمة بدأت في زمن المأمون العباسي وقيل قبل ذلك بقليل .          

     السبب الثالث : هو العامل السياسي .

     فقد مكن الأئمة عليهم السلام في زمن الإمام الرضا عليه السلام من بيان المعتقد الإمامي بدون ملاحقة من السلطات الحاكمة آنذاك ، وبدون استنكار ظاهر من علماء المذاهب الأخرى لما يشكله الإمام الرضا عليه السلام من منصب حساس جداً ، وهو منصب ولاية العهد والحاكم المستقبلي للدولة الإسلامية ، وهذا ما لم يتفق للأئمة السابقين عليه .

     لهذا الأسباب ولغيرها مر بيان المعتقد الشيعي من قبل الأئمة عليهم السلام بمراحل متعددة ، وكان كماله وعمقه في زمن الأئمة المتأخرين عليهم السلام ، كالإمام الهادي عليه السلام الذي جمع عمق المعتقد الشيعي في مسألة الإمامة في الزيارة الجامعة ، وفي زيارة أمير المؤمنين عليه السلام يوم الغدير والتي نقف على ضفافها في هذه المحاضرة .

     وهاتان الزيارتان ـ علاوة على عمقهما ودقتهما ـ جامعتان لما تفرق في كلمات الأئمة السابقين حول رفعة مقام أهل البيت ووجوب موالاتهم وبيان جريمة أعدائهم ووجوب البراءة منهم  .

     يقول آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم  (حفظه الله ) : فقد أفاضت هاتان الزيارتان في الأمرين الأخيرين ـ عظم مقام أهل البيت والولاية لهم و البراءة من أعدائهم ـ بنحو يصلحان لأن يكونا بمجموعهما أطروحة كاملة عن الموقف العقدي الشيعي من أهل البيت عليهم السلام ومن أعدائهم وخصومهم ، ليكون سببا لتذكير عموم الشيعة بعقيدتهم وتركيزها في نفوسهم(12).

بعد هذه المقدمة أقف معكم أخواني على بحر زيارة أمير المؤمنين عليه السلام في يوم الغدير لكي نقف على بعض مضامينها المتعلقة بمقام الإمامة .

 

 

ــــــــــــــــــــــ

1)ـ كما في إقرار أبي جعفر (عليه السلام) الوارد في رواية محمد بن سليمان ، راجع  الكافي ج4 ص 584.

2) راجع المقنعة للشيخ المفيد (رحمه الله) : ص462 وقد ورد هذا التعبير في زيارة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله )وأمير المؤمنين (عليه السلام) والإمام الكاظم (عليه السلام ) والإمام الرضا (عليه السلام)وغيرهم من المعصومين.

3) نهج البلاغة : الخطبة 152.الكافي ج1 ص 184.

4) بحارالأنوار: ج26 ص 258.

5) راجع تفسير كنز الدقائق :ج2 ص56.

6) راجع تفسر الميزان : ج8 ص 147.

7) راجع : ج2 ص 103.

8) راجع معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) ج5 ص 501.

9) راجع بصائر الدرجات : ص 43.

10) في أصول الكافي عن كثير بن كلثمة عن أحدهما عليهما السلام : (سأله بحق محمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة ) راجع : ج8ص 304.

11) الحق المبين : ص 133.

12) فاجعة الطف : ص 492

 

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • كتب فقهية
  • كتب عقائدية
  • كتب متنوعة
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • راسلنا - إتصل بنا
  • أرسل إستفتاء / سؤال
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

 زاد المعاد : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه  @  www.zaad.org

تصميم وبرمجة وإستضافة الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net