حكم التقليد عند القدماء 

الكتاب : طرق تحصيل الأمان   ||   القسم : كتب فقهية   ||   القرّاء : 1474

      وقد نص الفقهاء على جواز  الإفتاء و التقليد وتعرضوا لشروط المفتي  وبينوا وظيفة العامي من قديم الأيام:

     1ـ قال السيد المرتضى (رحمه الله) في بيان عدم جواز العمل بما في الكتب من الروايات من دون تحصيل العلم وجواز العمل بقول الفقيه والمفتي : (أعلم أنه لا يجوز لعالم ولا عامي الرجوع في حكم من أحكام الشريعة إلى كتاب مصنف ، لأن العمل لا بد من أن يكون تابعا للعلم على بعض الوجوه ، والنظر في الكتاب لا يفيد علما ، فالعامل بما وجده فيه لا يأمن من أن يكون مقدما على قبيح . ولا يلزم على هذه الجملة جواز العمل بالفتيا وتقليد المفتي ، لأن هذا العمل مستند إلى العلم ، وهو قيام الحجة على المستفتي ، بأن له أن يعمل بقول المفتي ، فيأمن لهذا الوجه من أن يكون فاعلا لقبيح . وليس كل هذا موجودا في تناول الأحكام من الكتب ) الرسائل ج 2 ص 332:

     2ـ قال الشيخ في المبسوط ج 8 ص168(إن الحاكم فيما يخبر به غيره بمنزلة المفتي والمستفتي إذا أفتى عالم عاميا بشئ كان فرضه ما أفتاه يعمل به ويعتمد عليه ، كذلك هاهنا ).

     3ـ قال العلامة الحلي (رحمه الله) في المسائل المهنائية ص101 : (مسألة ) 165 ) ما يقول سيدنا في كتب الأصحاب ، هل يجوز تقليدها أم لا ، وهل يفترق بين من مات منهم أو هو حي أم لا ، وإذا كان الإنسان يعرف خط مصنف الكتاب ورأى خطه على ذلك الكتاب بقراءته وسماعه له هل يصح تقليد ذلك الكتاب والحال هذه أم لا ، وأي كتب الأصحاب ينبغي ان نرجع إليه . أفتنا في ذلك مفصلا مبينا.الجواب : لا يجوز تقليد الكتب . نعم يجوز الرجوع في الاستفتاء إلى خط المفتي إذا علمه ، فإن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يفتون بالمكاتبة ، ولو لا تسويغ الرجوع إليها لم يكن لها فائدة . مسألة ( 166 ) ما يقول سيدنا في الإنسان ، هل يجب عليه السعي إلى المفتي إذا احتاج إلى ذلك أم يكفيه خطه ومكاتبته ، فإذا كانت المكاتبة كافية للقادر على السعي أو لمن لا يقدر على السعي وهو لا يعرف خط المفتي كيف يكون الحال ، وإذا كان يعرف خط المفتي هل يجزيه خطه من غير سعي إليه وإن كان قادرا على السعي . بين لنا ذلك بفضل اللَّه .الجواب: نعم يكفيه المكاتبة إذا عرف خطه وأنه أفتاه غير ساه ولا غافل ، وإذا لم يعلم أحدهما وجب عليه السعي إليه أو الاستناد إلى من يخبر عنه من الثقات).وقال في التذكرة ج 9 : (سألة 13 : العلم إما فرض عين أو فرض كفاية أو مستحب أو حرام . فالأول..... الثاني : العلم بالفقه وفروع الأحكام ، وعلم أصول الفقه وكيفية الاستدلال والبراهين .... إلى أن يصلح للإفتاء والقضاء .ولا يكفي المفتي الواحد في البلد ، لعسر مراجعته على جميع الناس). وقال فيه أيضاً : (مسألة 268 : يجوز لفقهاء الشيعة ، العارفين بمدارك الأحكام ، الجامعين لشرائط الحكم الإفتاء بين الناس . ويجب عليهم ذلك حال غيبة الإمام ( عليه السلام ) .

      وقال في الايضاح ج1 ص 339 : (وللفقهاء  الحكم بين الناس مع الأمن من الظالمين وقسمة الزكوات والأخماس والإفتاء بشرط استجماعهم لصفات المفتي وهي الإيمان ، والعدالة ، ومعرفة الأحكام بالدليل ، والقدرة على استنباط المتجددات من الفروع من أصولها ).

     4ـ  قال المحقق في الشرائع في بحث صفات القاضي :  ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت عليهم السلام ، الجامع للصفات المشروطة في الفتوى ، لقول أبي عبد الله عليه السلام  : " فاجعلوه قاضيا ، فإني جعلته قاضيا فتحاكموا إليه")وكلامه هذا صريح بجواز الإفتاء وفق شروط خاصة ، والحكم  بجوازه يدل عرفاً على جواز عمل المستفتي لأن الارتكاز المتشرعي كان قائما على جواز الاستفتاء والافتاء للعلم في زمانه (رحمه الله).وهذه الفتاوى مستفادة من الأدلة السابقة وفي مقدمتها إرجاع الأئمة للفقهاء فصحيحة شعيب العقرقوفي ، قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل قال: عليك بالأسدي. وفي صحيحة عبد الله ابن يعفور ، قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انه ليس كل ساعة ألقاك ، ولا يمكن القدوم ، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني ، فقال ما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي ، فإنه سمع من أبي ،وكان عنده وجيهاً.

     الشبهة الثالثة : ذكر بعض الكتاب أن التقليد حادث ولا أصل له عند المتقدمين و استدل بكلام الشيخ المفيد (رحمه الله) عن التقليد في كتابه "تصحيح اعتقادات الإمامية"  فذكر أنه (رحمه الله) نهى عن التقليد الذي نعرفه اليوم مستعينا بالروايات الناهية عن الإتباع والتقليد . ونقل منها عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : "إياكم والتقليد ، فإنه من قلد في دينه هلك إن الله تعالى يقول : ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ ﴾. فلا والله ما صلوا لهم ولا صاموا، ولكنهم أحلوا لهم حراماً، وحرموا عليهم حلالاً، فقلدوهم في ذلك، فعبدوهم وهم لا يشعرون". ونقل غيرها من  الروايات ثم علق الشيخ المفيد قائلاً: "ولو كان التقليد صحيحاً والنظر باطلاً لم يكن التقليد لطائفه أولى من التقليد لأخرى، وكان كل ضال بالتقليد معذورا، وكل مقلد لمبدع غير موزور، وهذا ما لا يقوله أحد". 

     الجواب :  يرد على هذه الشبهة عدة  ملاحظات منها :

     الملاحظة الأولى : هي أن ما له موضوعية في مسألة الرجوع إلى الفقهاء ، نفس العمل بفتواهم كخبراء سواء سمي ذلك في اللغة تقليدا أو لا ، ولهذا اختلفت تعبيرات الروايات في بيان رجوع العامي للفقيه ، فتارة عبرت بالتقليد وهو الدارج اليوم على ألسنة الفقهاء وغيرهم ، و أخرى عبرت بغير ذلك  ومن التعبيرات :

    1ـ  الأخذ . ففي صحيحة عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُهْتَدِي وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ جَمِيعاً عَنِ الرِّضَا ع قَالَ قُلْتُ لَا أَكَادُ أَصِلُ إِلَيْكَ أَسْأَلُكَ عَنْ كُلِّ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِ دِينِي أَفَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ آخُذُ عَنْهُ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِ دِينِي فَقَالَ نَعَمْ.

     2ـ الرجوع ، كالتوقيع الشريف : وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا .

     3ـ المفزع والمستراح ، كصحيحة يونس بن يعقوب قال : كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام ) فقال : أما لكم من مفزع ؟ ! أما لكم من مستراح تستريحون إليه ؟ ! ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النصري ؟ .

     الملاحظة الثانية : جميع العناوين التي تقدمت تشترك في إفادتها اتباع العامي للفقيه ، والاتباع مفهوم عام قد يكون حسنا وقد يكون قبيحاً ، والقبيح  شرعاً هو التقليد  المنهي عنه أو الذي لا دليل على مشروعيته ، لا ما دلت الأدلة السابقة على جوازه .

   والتقليد المنهي عنه تقليد أهل الأهواء والبدع والظنون ففي رواية المحاسن عن أبي جعفر (عليهما السلام) ، قال خطب علي أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس ، فقال : أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع ،وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب الله ، يقلد فيها رجال رجالاً.

     الملاحظة الثالث : خلط الكاتب بين التقليد في أصول الدين و الاعتقادات وهو الملحوظ في كلام الشيخ المفيد (رحمه الله) وبين التقليد في الفروع الذي تقدمت الأدلة على جوازه ، والفقهاء من قديم الأيام يؤكدون على أن الأصل عدم جواز العمل بالظن ، وأن التقليد لا يغني عن الحق في نفسه  ولا يكتفي به العقل إلا إذا دل دليل على اعتباره ، والدليل القائم على اعتباره بالنسبة إلى العامي خاص بالتقليد في الفروع  ، فيبقى التقليد الظني  ليس حجة فـي الأصول.

     والذي يرشدك إلى صحة ما ذكرناه أن جميع الفقهاء الذين قالوا بجواز التقليد في الفروع ثم كتبوا رسائل في العقيدة وتعرضوا فيها لمسألة التقليد في العقائد قالوا بضرس قاطع لا يجوز التقليد فيها  ، فهنا مسألتنا  لا ينبغي الخلط بينهما : 

     الأولى : مسالة التقليد في العقائد ، و في العقائد ينبغي إتباع ما يفيد العلم ، وقد أطلقت جملة من الروايات على من يتبع المعصوم عنوان المقلد وذمت اتباع غير أهل البيت (عليهم السلام) الذين يجعلون أنفسهم في عرض أهل البيت واعتبرتهم مقلدة وذمت تقليدهم .

     وأين هؤلاء الذين اتخذوا سبيلا غير سبيل أهل البيت (عليهم السلام) من فقهائنا (أعزهم الله) الذين يعتمدون في استدلالهم على ما روي عن الأئمة (عليهم السلام) وجعلون أنفسهم تبعا لهم في ما يقولون !

     الثانية : التقليد في فروع الدين ، وهو الذي يقول الفقهاء بجوازه. 

    وبهذا يتضح ضعف قول بعضهم: (إن الرواية تقول ﴿من قلد في دينه هلك﴾ ومن المعلوم أن الدين جامع للأصول والفروع ) .

     ووجه الضعف من عدة جهات منها أن هذا كلام مطلق قابل للتقييد كأي أطلاق ، والأدلة السابقة تقيد هذا الإطلاق بالتقليد في الفرع حيث تثبت فيه الجواز ، ولو كان لسانه غير قابل للتقييد أمكن رفع اليد عنه لمخالفته الأدلة السابقة القطعية  الدالة على جواز التقليد .

    الشبهة الرابعة : إن مسألة التقليد  من بدعة القرن العشرين ، لأن أول مرجع تقليد يكتب "رسالة عملية" ويطلق عليها هذا الاسم السيد محمد كاظم اليزدي (1274 – 1337هـ).

     الجواب :  يظهر من هذا الكلام أمران :

      الأمر الأول : أن المستشكل  لا يعرف معنى  التقليد ، فليس للتقليد معنى غير الرجوع إلى الخبير لأخذ الحكم الكلي للعمل به ، وقد و قع كلام بينهم في تحديد هذا الرجوع  ، ولكن لم يقل أحد أن من حقيقته وجود كتاب يطلق عليه رسالة عملية ، إذ ليس الكتاب إلا وسيلة تسهل كيفية تناول العامي للحكم الشرعي  ، ووجود هذه الوسيلة لا يعني حدوث تغير في مفهوم التقليد ، وإني أخشى أن يأت مستشكل آخر فيقتدي بصاحب الشبهة فيقول : التقليد في زماننا هذا حادث جديد (بدعة) لأنه لم يكن الفقيه في زمن الشيخ الطوسي (رحمه الله) يستعين بالانترنت في إجابة الاستفسارت أو يستعمل الهواتف الذكية في إيصال  الرسالة العملية  !.

    الأمر الثاني : جهل صاحب الشبهة  بتاريخ كتابة الرسائل العملية فهو يعتقد ( بأن أول مرجع تقليد يكتب "رسالة عملية" بهذا المسمى إنما  السيد اليزدي (1274 – 1337هـ).

     وقد غاب عنه أن تاريخ المرجعية الممتد كان لا ينفك في كل زمان عن وجود كتاب يشتمل على الفتوى دون الوجوه الاستدلالية من أجل العمل ، ومن تلك الكتب :

     1ـ كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي (676ﻫ ).

     2ـ إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان للعلامة الحلي (726 ت) قال عنه المحقق الطهراني في الذريعة (يعد أحد الآثار الفقهية في مجال الفتوى) ومثل كتابه هذا كتاب تبصرة المتعلمين.

     3ـ كتاب نجاة العباد لشيخ مشايخ السيد اليزدي أعني صاحب الجواهر الذي  توفي في سنة (1266 هـ) أي قبل ولادة السيد اليزدي بثمان سنوات ، وله كتاب آخر كتبه كرسالة عملية وهو هداية الناسك .

     لست من الذين يرجعون جميع محاولات إبداء الرأي أو طرح مفاهيم إلى مؤامرة تريد  العصف بالمذهب الحق وحرف الناس عن تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) ، ولكن في نفس الوقت لا ينبغي أن نتجاهل وجود مخططات من هذا القبيل قد يساهم في إنجاحها بلا  قصد بعض المثقفين البسطاء فيما إذا تأثروا بالأطروحات الهزيلة وقدموها على أنها رأي حق يشكل تطويرا في الفكر وأسس التعقل ، و إن المأمول من المؤمن المثقف الواعي أن تكون ثقافته  عالية جدا وواعية وعميقة و أكبر من أن يقع فريسة العبارات المنمقة التي تفتقر في معناها ومحتواها إلى الضوابط العقلائية عند التبني والكتابة والحوار ، وإلا سيكون ضحية السطحية والطرح المترهل ، وسوف يقدم خدمة للمشككين الضالين وهو لا يعي .

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • كتب فقهية
  • كتب عقائدية
  • كتب متنوعة
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • راسلنا - إتصل بنا
  • أرسل إستفتاء / سؤال
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

 زاد المعاد : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه  @  www.zaad.org

تصميم وبرمجة وإستضافة الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net