الإمام الحسن عليه السلام بين خياري السلم والحرب 

القسم : الامام الحسن عليه السلام   ||   التاريخ : 2008 / 09 / 14   ||   القرّاء : 5157

الإمام الحسن عليه السلام بين خياري السلم والحرب

 

بعد استشهاد الإمام عليه السلام:

لقد استشهد الإمام علي عليه السلام في سنة أربعين للهجرة، بعد معاناة طويلة، وحروب دامية له، ضد الظالمين، والطامعين، وطلاب اللبانات، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان..

وكانت الإمامة والخلافة من بعد الإمام علي عليه السلام، للإمام الحسن عليه السلام، في الوقت الذي كان لا يزال معاوية مصراً على موقفه، رافضاً التخلي عن حكم الشام، والدخول فيما دخل فيه المسلمون..

بل هو بمجرد أن سمع باستشهاد الإمام علي عليه السلام، وبعد ثمانية عشر يوماً فقط، جرَّد جيشاً قوامه ستون ألفاً، وقصد العراق ليحارب الإمام الحسن صلوات الله وسلامه عليه..

الإمام الحسن عليه السلام بين خياري السلم والحرب:

وقد قلنا: إنه كان لابد للإمام الحسن عليه السلام من السعي لتحقيق هدفين:

أحدهما: حفظ الشيعة.

والثاني: حفظ جهود الأنبياء، بحفظ الدين في عقائده وسياساته ومفاهيمه، وقيمه، وفي أحكامه وشرائعه..

وقد كان أمام الإمام الحسن عليه السلام خياران للوصول إلى هذين الهدفين:

أحدهما: الحرب.

الثاني: السلم.

خيار الحرب:

أما خيار الحرب: فإنه يجعله أمام ثلاثة احتمالات، لا بد في كل واحد منها من الموازنة بين التضحيات وبين النتائج، ثم اختيار الخيار الذي يحقق الأتم والأفضل، والأصلح منها، حيث إن موقع الإمامة يفرض على الإمام التفكير في جميع الجوانب، والحالات التي تواجهه في سياسة الأمة، من أجل حفظ دينها، ووجودها، ومصالحها..

ومهما يكن من أمر فإن الخيارات الثلاثة هي التالية:

الأول: أن يتمكن من تحقيق النصر: ولا بد في هذه الحالة من دفع ثمن لهذا النصر، وهو:

أولاً: أرواح المئات، والألوف من المسلمين وفيهم المخلصون، والأطياب الأطهار من أهل الإيمان ومن شيعته، الذين هم خلاصة جهود أمير المؤمنين عليه السلام، ومن قبله الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.. والذين كان معاوية نفسه قد قتل قسماً منهم في حرب صفين، وقُتل قسم آخر منهم في حرب الجمل قبل ذلك..

ثانياً: ما ينشأ عن الحرب من سلبيات وأخطار اجتماعية، واقتصادية، وسياسية وغيرها..

أما نتائج الحرب: فقد لا تكون في قيمتها، وأهميتها في مستوى تلك الخسائر، لأن هزيمة أتباع الخط المناوئ لأهل البيت، لا تعني القضاء عليهم، لأن انتصار الإمام الحسن عليه السلام ليس مثل انتصار معاوية ـ كما بيناه ـ لأن انتصار الإمام عليه السلام يقتصر على وأد الفتنة، وإسقاط القدرة القتالية للطرف الآخر، وسوف يصبح الجميع بعد الحرب في أمن وأمان، ثم البدء في عملية إصلاح واستصلاح، مع حفظ سلامة الجميع، تماماً كما حصل في حرب الجمل، فإنه بعد أن وضعت الحرب أوزارها، عومل أولئك المحاربون ـ حتى زعماء الحرب وأركانها، مثل ابن الزبير، ومروان وأضرابهما ـ بالرفق واللين، حتى وكأن شيئاً لم يكن.. كما أن علياً في النهروان قد داوى جرحى الخوارج، ولم يتعرض لهم بالأذى.. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في فتح مكة قد عفا عنهم، وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

أما انتصار معاوية فإنه لا يكون إلا بقتل الحسن ثم الحسين، وبني هاشم وشيعتهم، فضلاً عمن يقتل من سائر الناس. فنصر معاوية نصر إبادة، ونصر النبي صلى الله عليه وآله، والإمام علي، والإمام الحسن، والأئمة عليهم السلام نصر حقن الدماء، وإصلاح، واستصلاح..

انتصار الإبادة:

وقد طبق معاوية سياسة الإبادة هذه، حتى بعد معاهدة الصلح.. حيث بطش في أصحاب علي، واستأصل شأفتهم..

فقد «نادى منادي معاوية: أن قد برئت الذمة ممن يروي حديثاً من مناقب علي وفضل أهل بيته.

وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة، لكثرة من بها من الشيعة، فاستعمل زياد ابن أبيه وضم إليه العراقَيْن: الكوفة والبصرة، فجعل يتتبع الشيعة، وهو بهم عارف، يقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وصلبهم في جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم وشردهم، حتى نفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور، فهم بين مقتول أو مصلوب، أو محبوس، أو طريد، أو شريد.

وكتب معاوية إلى جميع عماله في جميع الأمصار: أن لا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة..

وكتب إليهم أيضاً أن يقتلوا كل من يحب أهل البيت، أو يشك، أو يتهم بحبه لهم..

ومن جهة أخرى، فإن النصر العسكري للإمام الحسن عليه السلام، لا يعني بطلان أطروحتهم وبوار حجتهم..

والشاهد على ما نقول: إن معاوية قد استطاع أن يخدع الناس بباطله، حتى في مقابل أمير المؤمنين عليه السلام، الذي لا يدانيه أحد في الأمة في جهاده، وتضحياته، ومقامه وفضائله.

ولا يجرؤ أحد على ادعاء شيء منها في مقابله.. فهل يعجز هو والأخطبوط الأموي من ورائه، والزبيريون وأتباعهم، والخوارج وأصحاب الأطماع، وكذلك الذين لا يعتقدون بإمامته عليه السلام، بل يوالون غيره ـ هل يعجز هؤلاء كلهم ـ عن بلبلة الأفكار، وإثارة الشبهات، والشكوك حول الإمامة والإمام، خصوصاً بعد خديعة التحكيم، التي أعطته الجرأة ليتسمى بأمير المؤمنين..

ثم بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام، وصيرورة الأمر إلى ولده الإمام الحسن عليه السلام، حيث تداعى الجيش العراقي، وظهرت فيهم حسيكة النفاق، وساروا في صراط الخيانة والغدر..

والخلاصة: أن انتصار الإمام الحسن عليه السلام، لا يعني أن تصبح النتائج على صعيد وضوح الحق، وإبطال كيد أهل الباطل، في المستوى المطلوب، بل سيبقى مثيروا الشبهات، وأصحاب الادعاءات الباطلة، يثيرون الشبهات بدعواهم شراكة الإمام علي عليه السلام في قتل عثمان، ولادعاء أن معاوية قد ظلم، وأن كل من معه قد ظلموا معه، وسيقولون للناس: إن النصر العسكري لا يعني أن المنتصر محق..

فالانتصار عليهم إذن لن يكون مانعاً لهم من التشكيك في أحقية أهل البيت بمقام الإمامة، فكيف إذا أصبحوا يدَّعون المظلومية لأنفسهم، والغاصبية والعدوانية من أهل البيت عليهم السلام، وعلى رأسهم الإمام علي عليه السلام، عليهم وعلى حقوقهم؟!..

وسوف يجدون الكثيرين من البسطاء والسذج، وطلاب الدنيا، والجهال، وحديثي العهد بالجاهلية، يستمعون إليهم، ويقبلون منهم، ويأخذون عنهم..

كما أن الخوارج والزبيرية والعثمانية، والموالين لغير أهل البيت، وأهل المطامع والأهواء، سوف ينشطون لمواجهة خط أهل البيت عليهم السلام ونهجهم، وسوف يسرحون، ويمرحون، ويضلون، ويشككون، ويثيرون الفتن، ويشيعون الباطل في الناس. ولربما تحدث تقلبات وفتن تزيد الطين بلة، والخرق اتساعاً، حين تتشارك آلاف الأيدي الأثيمة، في تشويه صورة الحق، وفي زرع الفتنة، وتمزيق المسلمين..

الثاني: أن لا يتحقق انتصار حاسم لأي من الطرفين، بل يبقى كل فريق في موقعه، كما كان الحال عليه في زمن الإمام علي عليه السلام..

ومن الواضح: أن هذا الأمر لن يأتي بسهولة، بل سوف يكون ثمنه خوض حروب صعبة، قد تكون كبيرة وخطيرة، بالإضافة إلى الكثير من الضحايا من خلص الشيعة، ومن الناس عامة..

أما النتائج: فهي بلا شك ستكون ضئيلة، وغير متكافئة مع حجم التضحيات وفقاً لما أوضحناه آنفاً، وذلك في ظل النشاط التخريبي للأخطبوط الأموي، وكل المناوئين لأهل البيت عليهم السلام..

ولعلك تقول:

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا حارب الإمام علي عليه السلام معاوية، ولم يسع إلى الصلح معه؟!..

ونقول في الجواب:

سيأتي: أن الإمام علياً عليه السلام كان قادراً على الحرب، وعلى تسجيل النصر الحاسم فيها.. فسعيه لمسالمة معاوية يعطي الانطباع بأن معاوية محق فيما يدعيه، كما سيأتي..

الثالث: أن ينتصر معاوية في الحرب، والثمن سوف يكون في هذه الحالة أعلى وأغلى، فإن الدماء التي سوف تسفك في حرب كهذه، سوف تكون كثيرة وغزيرة، ولن يقتصر ذلك على دماء شيعة الإمام علي عليه السلام، بل هي سوف تتعداهم إلى غيرهم، كما أن الآثار السلبية للحرب السياسية منها، والاجتماعية، والأخلاقية، والاقتصادية، وغيرها سوف تكون كبيرة وخطيرة جداً..

أضف إلى ذلك: أن هذه الحرب سوف تتمخض عن نتائج مرعبة هي بلا شك الأشر والأضر: هي قتل أهل بيت النبوة، واستئصالهم، ثم الملاحقة بالإبادة الأكيدة لجميع أهل الإيمان، أينما كانوا، وحيثما وجدوا..

وإذا كان معاوية قد تتبع شيعة الإمام علي عليه السلام حتى استأصلهم ـ كما تقدم ـ رغم أنه لم يخض مع الإمام الحسن عليه السلام حرباً، ورغم العهود التي أعطاها في صلحه وعقد هدنته معه، فماذا ستكون النتيجة؟!..

وكيف سيعامل شيعة الإمام علي والإمام الحسن عليهما السلام، لو أن الإمام الحسن عليه السلام كان قد حاربه، وانتصر هو على الإمام عليه السلام؟!..

وإذا تمخضت الحرب عن هذه النتائج، فمن يا ترى يمكن أن يكون الداعي إلى الحق، والمدافع عنه؟!، ومن يجرؤ على تعريف الناس به، أو دلالتهم عليه؟!..

فإن هذا الدين سوف يصبح بلا شك أسيراً بأيدي الأشرار، وعلى رأسهم من هو مثل يزيد لعنه الله، والوليد، ومروان، ومن تابعهم وشايعهم، من أمثال الشمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد، وعبيد الله بن زياد، والحجاج، وخالد القسري، وغيرهم ممن هو على شاكلتهم..

ومن جهة أخرى: فإن معاوية الذي استطاع أن يجند المسلمين لحرب أعظم رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن يخدع الناس بشبهاته وشائعاته، وأن يستفيد إلى أبعد الحدود من قتل عثمان، ومن علاقته بعمر بن الخطاب.. لو انتصر على الإمام الحسن عليه السلام، فسوف يكون أقدر على تشويه الصورة، وقلب الحقائق، وسوف يستعين بكل ما له من مال ورجال، وسيشتري الضمائر، ويشوه الدين، ويعبث بأحكامه بلا رقيب، أو عتيد..

فلا بد من تجاوز مرحلة معاوية بأفضل الطرق والوسائل، خصوصاً بعد أن سمى نفسه بأمير المؤمنين بعد التحكيم، حيث إن هذا سيجعله أكثر شراسة في الدفاع عما يعتبره إنجازاً عظيماً في سياق تحقيق طموحاته وأطماعه الكبرى..

ولعلك تقول:

إن هذه الأمور لا بد أن تمنع أيضاً من مواجهة الإمام الحسين عليه السلام ليزيد لعنه الله..

ونقول في الجواب:

إن الأمر بعد الصلح قد أصبحت له حيثيات أخرى، فإن حركة الإمام الحسين عليه السلام الجهادية قد جاءت لتؤكد ثمرات هذا الصلح، وتحفظها..

 ------------

 

 زاد المعاد - المصدر: عاشوراء بين الصلح الحسني والكيد السفياني - السيد جعفر مرتضى العاملي

 



 
 


أهل البيت عليهم السلام :

  • النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم
  • أمير المؤمنين علي عليه السلام
  • الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام
  • الامام الحسن عليه السلام
  • الإمام الحسين عليه السلام
  • الامام علي السجاد عليه السلام
  • الإمام الباقر عليه السلام
  • الإمام جعفر الصادق عليه السلام
  • الإمام موسى الكاظم عليه السلام
  • الإمام علي الرضا عليه السلام
  • الإمام محمد الجواد عليه السلام
  • الإمام علي الهادي عليه السلام
  • الإمام الحسن العسكري عليه السلام
  • الإمام الحجة المهدي عليه السلام

تربية أخلاقية :

  • أخلاقيات

فكر وعقيدة :

  • عقائديات

مقالات ومواضيع منوعة :

  • المرأة والطفل
  • منوعات
  • مقابلات مع الشيخ علي الدهنين دام عزه
  • محاضرات مكتوبة للشيخ الدهنين
  • شخصيات إسلامية

سير بعض العلماء :

  • آية الله العظمى الشيخ بهجت

القسم الصوتي والمرئي :

  • محاضرات محرم لعام 1434 هـ

سماحة الشيخ حيدر السندي :

  • التوحيد الإلهي
  • العدل الإلهي
  • النبوة
  • الإمامة
  • أهل البيت عليهم السلام
  • الإمام المهدي عليه السلام
  • منوعات
  • منوعات فقهية
  • على ضفاف الطف
     جديد القسم :



 حديث( علي حبه حسنة ) فوق شبهة التغرير في ارتكاب السيئة:

 المرأة عند الشيعة

 دفع شبهة ترتبط بعمومية الرسالة الخاتمية:

 البحث الثالث: من قتل الإمام الحسين عليه السلام؟

 آلية الإصلاح في النهضة الحسينية

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثالث)

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثاني)

 عظمة النهضة الحسينية (القسم الأول)

 التوسل بالأنبياء وفعل المشركين

 المرجع الأعلى إذا تحدث

     البحث في القسم :


  

     مقالات عشوائية :



 الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) في سطور

 الزوجة ريحانة

 الإمام الباقر ( ع ) اسم على مسمى

 ابن عباس يصف عليّاً عليه السلام

 القوى الغيبية في القصة القرآنية

 مَن هو الصادق ؟

 علي عليه السلام عنده علم الكتاب

 لماذا سكت الامام ( عليه السلام) يوم الهجوم؟

 حديث لطيف في عدد الأئمة بالاسم !!

 مناظرة حول وجه غيبة الامام (عليه السلام)

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • راسلنا - إتصل بنا
  • أرسل إستفتاء / سؤال
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

 زاد المعاد : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه  @  www.zaad.org

تصميم وبرمجة وإستضافة الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net