عمر الإمام الجواد عليه السلام ومنصب الإمامة 

القسم : الإمام محمد الجواد عليه السلام   ||   التاريخ : 2009 / 07 / 02   ||   القرّاء : 8571

       ليس غريباً إذا قلنا : إنّه لا مدخلية للعمر في تسنّم منصب الاِمامة ، ولو أن ظاهرة الاِمام الجواد عليه السلام كانت الاُولى من نوعها في الاِسلام على ما هو معهود ومعروف ! إلاّ أنها لم تكن الاُولى في العالم على مستوى حركة الاَنبياء والرسل وأوصيائهم السابقين ، فذاك عيسى بن مريم آتاه الله الحكمة والنبوة وكان في المهد صبياً ، وقبله كان يحيى ، فقد آتاه الله الحكم والكتاب وهو صبي ((وآتَينَاهُ الحُكمَ صَبِيّاً))(1).

      فإنّ الظاهرة التي وجدت مع هذا الاِمام وهي ظاهرة تولّي شخص للاِمامة وهو بعد في سن الطفولة ، على أساس أن التاريخ يتّفق ويُجمع على أنّ الاِمام الجواد توفي أبوه وعمره لا يزيد عن سبع سنين . ومعنى هذا أنّه تولّى زعامة الطائفة الشيعية روحياً وفكرياً وعلمياً ودينياً وهو لا يزيد عن سبع سنين ، هذه الظاهرة التي ظهرت لاَول مرة في حياة الاَئمة في الاِمام الجواد عليه السلام(2).

      وقد قدّمنا في الفصل الاَول الروايات التي تنصّ على أنّ الاِمام الرضا عليه السلام وهو الاِمام المعصوم قد شهد بأن مولوده الصغير ـ وكان يشير إليه ـ سيكون الاِمام من بعده بالرغم من صغر سنِّه(3)، وبذلك فقد حلَّ الاِمام الرضا عليه السلام إشكالية المسألة في حياته وأرجع أصحابه وشيعته وجميع المسلمين إلى ابنه الجواد عليه السلام .

      ثم إنّ الاِمام الجواد عليه السلام نفسه قد أدرك الشك والحيرة من بعض أصحاب أبيه في هذا الاَمر؛ لاَنّهم لم يألفوا ذلك من قبل فأراد في بعض المواقف تبيان هذه الظاهرة ، وإلفات نظر المتردّدين إلى الحقيقة التي غابت عن أذهانهم ، فقد روى الكليني بالاِسناد عن علي بن اسباط ، قال : خرج عليه السلام عليَّ فنظرت إلى رأسه ورجليه؛ لاَصف قامته لاَصحابنا بمصر ، فبينا أنا كذلك حتى قعد ، فقال : « يا عليّ ، إن الله احتجّ في الاِمام بمثل مااحتجّ في النبوّة ، فقال ((وآتينَاهُ الحُكمَ صَبيّاً))(4)، قال: ((ولمَّا بَلَغ أشُدَّهُ))(5) ((وبَلَغَ أربعينَ سَنَةً))(6) فقد يجوز أن يؤتى الحكمة صبيّاً(7)، ويجوز أن يُعطاها وهو ابن أربعين سنة»(8).

وعندما يُسأل عن هذا الموضوع وهو ابن سبع سنين أو نحوها ، يجيب سائله إجابة قاطعة ليس فيها ترديد ولا تورية . . جواب واثق مطمئن من إمامته على الناس ، وهو ما رواه الكليني بالاِسناد عن محمد بن اسماعيل بن بزيع ، قال : سألته ـ يعني أبا جعفر عليه السلام ـ عن شيء من أمر الاِمام ، فقلت : يكون الاِمام ابن أقل من سبع سنين ؟ فقال : «نعم ، وأقلّ من خمس سنين».

فقال سهل : فحدثني علي بن مهزيار بهذا في سنة إحدى وعشرين ومائتين(9).

كما أنّه عليه السلام يردّ على المنكرين عليه صغر سنه بشواهد قرآنية لها مصاديق من سيرة الرسول الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو ما نقرأه في رواية الكليني الاُخرى عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : قال علي بن حسان لاَبي جعفر عليه السلام : يا سيدي ، إنّ الناس ينكرون عليك حداثة سنّك ، فقال : «وما ينكرون من ذلك ، قول الله عزَّ وجلَّ ؟ لقد قال الله عزَّ وجلَّ لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلي أدعُو إلى اللهِ على بَصيرَةٍ أنا وَمَن اتَّبعَني))(10) والله ما تبعه إلاّ علي عليه السلام وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين»(11).

      من خلال التأمل في الروايات التي مرَّ ذكرها يتبيّن لنا تركيز الاَئمة عليهم السلام على دور الاِمامة في حياة الاُمّة ، ومقارنتها بالنبوّة . وطبيعي أن تُقرن الاِمامة بالنبوة لما بينهما من سنخية واحدة ، فالاِمام عليه السلام إنّما يلفت نظر الناس إلى أن العمر لا مدخلية له في منصبي النبوّة والاِمامة؛ لاَنّهما منصبان يتعينان من قبل الله سبحانه وتعالى ، والله تعالى لا يختار لرسالاته إلاّ المعصوم المتحصل لجميع الكمالات ، وعليه فهو تبارك وتعالى لايتعامل مع سن المبعوث بقدر ما يتعامل مع ظروف المرحلة التي تمر بها الرسالة والاُمّة ، ومدى الحاجة إلى الشخص المختار لتدارك حالة المجتمع في مقطع زمني معين تكون الحاجة إليه هناك ماسة وضرورية.

      نعم ، فالاِمام يريد أن يقول للناس : عليكم أن تنظروا للاِمام . . أن تتعاملوا مع منصب الاِمامة ، كما تنظرون إلى مقام النبوّة وتتعاملوا معها . فالاِمامة امتداد طبيعي للنبوّة ، لذلك تكتسب نفس قداستها؛ لاَنّهما ـ كما قلنا ـ من مختصات السماء ، وما ترسله السماء يجب أن يكون له قدسية خاصة ، وأنها ـ أي الاِمامة ـ « . . أجلّ قدراً ، وأعظم شأناً ، وأعلى مكاناً ، وأمنع جانباً ، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالونها بآرائهم ، أو يقيموا إماماً باختيارهم . . .(12)

      ولما كان هذا حال الاِمامة والاِمام ، يجريان مجرى النبوة والاَنبياء ، فإنّه يجوز على الاِمام أن يتولى الاِمامة وهو ابن سنتين ـ مثلاً ـ أو أقل من ذلك أو أكثر ، كما جاز ذلك في النبوّة وهو ما عرفناه من قبل في مثال يحيى بن زكريا ، وعيسى بن مريم عليهما السلام .

      والشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر قدس سره في محاضرته التي أشرنا إليها قبل قليل يلفت النظر إلى أنّه لو تم دراسة ظاهرة إمامة الجواد عليه السلام بقانون حساب الاحتمالات لتبيّن : ( أنّها وحدها كافية للاقتناع بحقانية هذا الخط الذي كان يمثله الاِمام الجواد عليه السلام ) . وهو طريق عقلي آخر يضاف إلى طرق إثبات الاِمامة وحصرها بأهل البيت عليهم السلام ، ثم يفترض السيد الشهيد قدس سره عدة افتراضات يمكن أن تُثار حول إمامة الاِمام الجواد عليه السلام ويجيب عنها منطقياً وتاريخياً ، لكنه قدس سره يجيب قبل طرح الافتراضات فيقول : ( إذ كيف يمكن أن نفترض فرضاً آخر غير فرض الاِمامة الواقعية في شخص لا يزيد عمره عن سبع سنين ويتولّى زعامة هذه الطائفة في كلِّ المجالات الروحية والفكرية والفقهية والدينية).

____________

1- سورة مريم : 19 | 12.

2- من محاضرة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سرّه في 29 ذي القعدة الحرام سنة 1388 هـ لم تنشر توجد ضمن مستندات ووثائق موسوعة الشهيد الصدر.

3- راجع النصوص المتقدمة آنفاً عن اُصول الكافي 1 : 321 | 10 و322 | 13 و383 | 2 . وإثبات الوصية : 185.

4- سورة مريم : 19 | 12.

5- سورة يوسف : 12 | 22 . وسورة القصص . 28 | 14.

6- سورة الأحقاف : 46 | 15.

7- في الرواية الاُخرى : الحكمة وهو صبي.

8- اُصول الكافي 1 : 494 | 3 ، ومثله أيضاً 1 : 384 | 7 باب حالات الأئمة في السن.

9- اُصول الكافي 1 : 384 | 5 .

10- سورة يوسف : 12 | 108.

11- اُصول الكافي 1 : 384 | 8 .

 12- اُصول الكافي 1 : 199 | 1.

 

المصدر:

الإمام محمد الجواد عليه السلام سيرة وتاريخ

المؤلف: السيد عدنان الحسيني



 
 


أهل البيت عليهم السلام :

  • النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم
  • أمير المؤمنين علي عليه السلام
  • الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام
  • الامام الحسن عليه السلام
  • الإمام الحسين عليه السلام
  • الامام علي السجاد عليه السلام
  • الإمام الباقر عليه السلام
  • الإمام جعفر الصادق عليه السلام
  • الإمام موسى الكاظم عليه السلام
  • الإمام علي الرضا عليه السلام
  • الإمام محمد الجواد عليه السلام
  • الإمام علي الهادي عليه السلام
  • الإمام الحسن العسكري عليه السلام
  • الإمام الحجة المهدي عليه السلام

تربية أخلاقية :

  • أخلاقيات

فكر وعقيدة :

  • عقائديات

مقالات ومواضيع منوعة :

  • المرأة والطفل
  • منوعات
  • مقابلات مع الشيخ علي الدهنين دام عزه
  • محاضرات مكتوبة للشيخ الدهنين
  • شخصيات إسلامية

سير بعض العلماء :

  • آية الله العظمى الشيخ بهجت

القسم الصوتي والمرئي :

  • محاضرات محرم لعام 1434 هـ

سماحة الشيخ حيدر السندي :

  • التوحيد الإلهي
  • العدل الإلهي
  • النبوة
  • الإمامة
  • أهل البيت عليهم السلام
  • الإمام المهدي عليه السلام
  • منوعات
  • منوعات فقهية
  • على ضفاف الطف
     جديد القسم :



 حديث( علي حبه حسنة ) فوق شبهة التغرير في ارتكاب السيئة:

 المرأة عند الشيعة

 دفع شبهة ترتبط بعمومية الرسالة الخاتمية:

 البحث الثالث: من قتل الإمام الحسين عليه السلام؟

 آلية الإصلاح في النهضة الحسينية

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثالث)

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثاني)

 عظمة النهضة الحسينية (القسم الأول)

 التوسل بالأنبياء وفعل المشركين

 المرجع الأعلى إذا تحدث

     البحث في القسم :


  

     مقالات عشوائية :



 مناظرة حول وجه غيبة الامام (عليه السلام)

 من فضائل الإمام المجتبى (عليه السلام) ومظاهر شخصيّته

 من أخلاق الإمام الحسن عليه السلام

 هذه هاجر.. وهذه زينب(ع)

 بعض الأسئلة وجهت للشيخ بهجت

 المرأة عند الشيعة

 الحجرة التي لم يرها إلا القليل

 عبادة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام

 العباس بن الإمام أمير المؤمنين عليهما السلام

 الإمام المرتضى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في سطور

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • راسلنا - إتصل بنا
  • أرسل إستفتاء / سؤال
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

 زاد المعاد : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه  @  www.zaad.org

تصميم وبرمجة وإستضافة الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net