التوسل بالأنبياء وفعل المشركين 

القسم : منوعات   ||   التاريخ : 2014 / 08 / 12   ||   القرّاء : 4419

السؤال : 

      السلام عليكم  

     ماتفسير هذه الآية التي دائما تُتكرر على لسان اهل العامة  في البقيع : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ) وتنتهي الاية  بأن الله لا يهدي كل كاذب كفار (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) ؟ 

 

الجواب :

       بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على وسائل مرضاة  الرحمان ، ومجاري فيوضات المنان  ومن اختصهم بالذكر وجعلهم عدلا للقران محمد واله  الطيبين الطاهرين .

       وعليكم السلام أخي الكريم ورحمة الله وبركاته  ، وبعد :

      لكي يتضح المراد من الآية الشريفة اتحدث في عدة نقاط : 

 

       النقطة الأولى :  نقلت الآية اخبار المشركين عن انفسهم واقرارهم  بأنهم يعبدون الوسائط التي يتخذونها من دون الله ، فقالت :(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ) ، فما هي العبادة ؟

       وفي مقام الجواب نقول : العبادة في اللغة تأتي  بمعنى الطاعة ومن ذلك قوله تعالى :( الم اعهد اليكم يا بني آدم الا تعبدوا الشيطان) وبمعنى الخضوع ومن ذلك قوله تعالى :( أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عائدون ) .

       وليس المقصود بالعبادة في توحيد العبادة أحد هذين المعنيين كيف! وقد أمر الله بطاعة غيره وحث على الخضوع والتذلل لبعض عباده. قال تعالى : (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ...) وقال عز من قائل : (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) ، بل ان السجود من أجلى مصاديق الخضوع وقد أمر بعض خلقه بالسجود للمخلوق ، يقول تقدست أسماؤه : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدم )   (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً )، ولا يمكن ان يأمر الله تعالى بعباده غيره ، وهذا يدل على ان كل من مفهومي الطاعة والخضوع   أعم من العبادة ، ولكي يكونان مظهرا للعبادة لابد وان ينضم إليهما شيء آخر ، وذلك الشيء هو :  الاعتقاد بالالوهية ، فالعبادة  هي: الخضوع والطاعة لمن يعتقد انه مستقل في تدبير الامور وإيصال النفع والضرر او منعهما ، والشرك يتحقق فيهما  اذا اعتقد العبد بتحقق اكثر من غني مستقل في تدبيره وخضع للمتعدد او أطاعه  ، و كما ان الشرك قد يتحقق في الخضوع والطاعة ، فهو قد يتحقق في   الشكر والمحبة أو الرجاء والخوف أو المدح فيما اذا صدرت  من العبد اتجاه موجودات متعددة يعتقد باستقلالها .

وبهذا نصل الى ان مفهوم الشرك في العبادة يعني الاعتقاد بوجود ند لله تعالى قادر على نحو الاستقلال وهذا ما بينه الآيات القرآنية التي تحدثت عن عقيدة عبدة الأوثان ، فإنها بينت انهم يتخذون اوثانهم اندادا مساوية لله تعالى ويخضعون لها ويحبونها كحب الله عزوجل ، يقول  تعالى: ( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ ) ويقول عز وجل ( قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ* تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلال مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمينَ) ، ولهذا اعتبر القران اتخاذهم لهذه  الوسائط اتخاذا للآلهة  و الارباب ،  يقول تنزهت ذاته عن الإدراك: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ) ويقول تعال عن كل نقص وشين في مقام الإنكار على عبادة الأوثان : ( أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ ) .

وبهذا يظهر ان الآية الشريفة الآية  محل السؤال (  أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) الزمر : ٣ موردها من يعتقد باستقلال الأولياء في التأثير ويتخذ اندادا لله تعالى بدلالة قوله تعالى  : ( ما نعبدهم ) .

 

       النقطة الثانية : هو ان حال من يتوسل بالأولياء الصالحين من المؤمنين يختلف عن حال المشركين ولا تنطبق عليه هذه الآية من جهات عدة ، ولكن نكتفي ببيان جهة واحدة ترتبط بالنقطة الاولى ، وهي ان المشرك كان يرى الأوثان أندادا وآلهة وأربابا يعبدهم و يحبهم كحب الله ، بينما المتوسل من اهل الايمان يعتقد بانه لا مستقل في ذاته وصفاته وافعاله إلا الله تعالى ، وان غير الله عبد  ضعيف محدود محتاج لا يستقل عن الله آنا ما  ، و لا  يملك من نفسه لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، نعم هو عبد مكرم جعله الله وسيلة وأمر بمحبته،  فالتقرب  به بأمر الله ، وحبه لاجل الله ، وفي طول حبه تعالى ، وليس في عرضه ، كيف ! واهل الايمان الذين يتوسلون بالاولياء يرددون في آناء الليل وأطراف النهار قوله تعالى :  ( وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكيمِ )  وقوله : ( قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَميعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ ) وقوله: ( مَا مِنْ شَفِيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ )وقوله  :( الّذي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالّذي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُميتُني ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتي يَوْمَ الدِّينِ ) وقوله تعالى : ( لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ )  و قوله تعالى : ( وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ) .

      ان تطبيق الآية موضع السؤال على من يتوسل بالأولياء من المؤمنين سببه احد أمرين  :

      الامر الاول : الجهل بحقيقة العبادة التي لا يجوز ان تصرف لغير الله تعالى  ، فكان المطبق قد ضيع معنى العبادة  و تصور انها مطلق طلب العون - مثلا - ثم اخذ يخبط في تطبيق الآية خبط عشواء  .

      الامر الثاني : العناد والتعالي عن الحق والمبالغة في اتهام المسلمين بما يوجب الكفر واستباحة دمائهم. 

 

        النقطة الثالثة : قد يقال : ان الآية الشريفة بينت ان هؤلاء كانوا يريدون التقرب بالأوثان الى الله تعالى وهذا بالضبط ما يفعله المتوسلون بالأولياء (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلياءَ مَا نَعْبُدُهمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)، فتدل الآية على  ان الاستغاثة والتوسل من أفعال مشركي الجاهلية .

        قال الشيخ بن بار : ( وأمّا دعاء الأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك فهو الشرك الأكبر، وهو الّذي كان يفعله كفار قريش مع أصنامهم وأوثانهم، وهكذا بقية المشركين يقصدون بذلك أنّها تشفع لهم عند اللّه، وتقربهم إليه زلفى، ولم يعتقدوا أنّها هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم كما بيّن اللّه سبحانه ذلك عنهم في قوله سبحانه: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤنَا عَنْدَ اللّهِ )  فردّ عليهم سبحانه بقوله: ( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) . وقال عزّ وجلّ في سورة الزمر: ( فَاْعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلياءَ مَا نَعْبُدُهمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ )   فأبان سبحانه في هذه الآية الكريمة: أنّ الكفّار لم يقصدوا من آلهتهم أنّهم يشفون مرضاهم، أو يقضون حوائجهم وإنّما أرادوا منهم أنّهم يقربونهم إلى اللّه زلفى، فأكذبهم سبحانه وردّ عليهم قولهم بقوله سبحانه: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) فسماهم كذبة وكفاراً بهذا الأمر ) .

 

       أقول:

      اتضح مما تقدم وجه الخلل في هذا الاشكال فان المستشكل تمسك بقوله تعالى : (وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤنَا عَنْدَ اللّه ) ( لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى) وغفل او تغافل  عن لفظتي (يعبدون ) ( نعبدهم ) التي تدل على ان هؤلاء ما كانوا يتقربون فحسب بالأصنام الى الله ، والا لكان كل متقرب الى شخص بوسيلة عابد لتلك الوسيلة ، فالمتقرب الى الملك بالوزير عابد للوزير ، والمتقرب الى مالك المؤسسة بقريبه  عابد لذلك القريب ، والمتقرب الى الله بالأعمال الصالحة او كلمات الله التامات عبد لهذه الوسائل ، ولا يلتزم بذلك مسلم !

       اذن مفهوم العبادة غير مفهوم اتخاذ المقرب والشفيع ، وما عليه المشركون كان اتخاذ الوسيلة والمقرب الى الله مع العبادة ، نعم لما ان حاجهم الانبياء و ابطلوا لهم الانداد و الشرك في العبادة اظهروا انفسهم يتقربون بالوسائط  فقط ،  فقالوا: ( هؤُلاءِ شُفَعاؤنَا عَنْدَ اللّه ) (مَا نَعْبُدُهمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى) ولكن الله تعالى فضح أمرهم ونسب اليهم العبادة وبين كذبهم بقوله تعالى : ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) .

والعجيب ان الله بين كذب هؤلاء وحث بذلك المؤمنين على عدم تصديق عبدة الأوثان في دعواهم التي يتسترون بها ،  ومع ذلك المستشكل صدقهم فيما يزعمون وكفر على أساس ذلك المؤمنين الذين يتوسلون بالأولياء! 

 

 

         كتبه بيده الداثرة : حيدر بن الحاج عبد الله السندي ( عاملهما الله بعفوه) من جوار سيد الشهداء ( صلوات الله وسلامه عليه ).

 



 
 


أهل البيت عليهم السلام :

  • النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم
  • أمير المؤمنين علي عليه السلام
  • الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام
  • الامام الحسن عليه السلام
  • الإمام الحسين عليه السلام
  • الامام علي السجاد عليه السلام
  • الإمام الباقر عليه السلام
  • الإمام جعفر الصادق عليه السلام
  • الإمام موسى الكاظم عليه السلام
  • الإمام علي الرضا عليه السلام
  • الإمام محمد الجواد عليه السلام
  • الإمام علي الهادي عليه السلام
  • الإمام الحسن العسكري عليه السلام
  • الإمام الحجة المهدي عليه السلام

تربية أخلاقية :

  • أخلاقيات

فكر وعقيدة :

  • عقائديات

مقالات ومواضيع منوعة :

  • المرأة والطفل
  • منوعات
  • مقابلات مع الشيخ علي الدهنين دام عزه
  • محاضرات مكتوبة للشيخ الدهنين
  • شخصيات إسلامية

سير بعض العلماء :

  • آية الله العظمى الشيخ بهجت

القسم الصوتي والمرئي :

  • محاضرات محرم لعام 1434 هـ

سماحة الشيخ حيدر السندي :

  • التوحيد الإلهي
  • العدل الإلهي
  • النبوة
  • الإمامة
  • أهل البيت عليهم السلام
  • الإمام المهدي عليه السلام
  • منوعات
  • منوعات فقهية
  • على ضفاف الطف
     جديد القسم :



 حديث( علي حبه حسنة ) فوق شبهة التغرير في ارتكاب السيئة:

 المرأة عند الشيعة

 دفع شبهة ترتبط بعمومية الرسالة الخاتمية:

 البحث الثالث: من قتل الإمام الحسين عليه السلام؟

 آلية الإصلاح في النهضة الحسينية

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثالث)

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثاني)

 عظمة النهضة الحسينية (القسم الأول)

 التوسل بالأنبياء وفعل المشركين

 المرجع الأعلى إذا تحدث

     البحث في القسم :


  

     مقالات عشوائية :



 العقل .. وعالم ما بعد الموت

 التوسل بالصديقة الطاهرة (عليه السلام) والنجاة من الموت

 نشأة الإمام الحسن بن علي العسكري

 مقابلة أجريت مع سماحة الشيخ علي الدهنين

 علي عليه السلام ربّاه النبي صلى الله عليه وآله

 الإمام محمد الباقر (عليه السلام) في سطور

 التوسل بالأنبياء وفعل المشركين

 عصمة النبي على الله عليه واله من السهو

 العرفان والإسلام

 الغيبية في تفاصيل العبادة

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • راسلنا - إتصل بنا
  • أرسل إستفتاء / سؤال
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

 زاد المعاد : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه  @  www.zaad.org

تصميم وبرمجة وإستضافة الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net