في سجايا الإمام الباقر عليه السلام 

القسم : الإمام الباقر عليه السلام   ||   التاريخ : 2008 / 02 / 24   ||   القرّاء : 6325

 

سجايا الإمام الباقر عليه السلام


المقدمة
رائعةٌ هي ابيات شاعر العرب الكميت الاسدي ـ الذي سماه الفرزدق بشاعر الأولين والآخرين ـ حيث قال:

بني هاشم رهط النبي فانني     ***     بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
خفضت لهم مني جناحي مودةً     ***     إلى كنف عطفاه أهل ومرحبُ
إلى النفر البيض الذين بحبهم     ***     إلى الله فيما نابني أَتقربُ

فقد نطق روح القدس على لسانه، فما على وجه الارض أشرف وارفع مقاماً من محمد واهل بيت محمد صلوات الله عليهم اجمعين، وهل يدانيهم في سجاياهم وخلقهم أحدٌ من العالمين؟!! فهم معدن الكرم وأصل الجود وقمة المجد. جادوا بكل ما يملكونه، ومنحوا خالقهم أَعزَّ ما يدخرون، حتى اذا لم تبق إلاّ نفوسهم قدموها فداءً لإعلاء كلمةِ التوحيد، وتثبيتاً لدين الله تعالى في أرضه، فبين قتيل في محرابه، وبين مسمومٍ، وبين ذبيح بيد اعدائه. غُصِبَتْ حقوقهم، وانْتُهِكَتْ حرمهم ولم تُرْعَ، فيهم قرابةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكأن القرآن أمر أُمة محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم بقتالهم وتشريدهم وسبيهم وظلمهم، وهو الذي ينادي آناء الليل وأَطراف النهار (قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (1).
ونحن اذ نتناول واحداً من رموز هذه الأسرة العظيمة، وحلقة من هذه السلسلة الكريمة نكون كمن همَّ أن يحصي نجوم السماء أو يستوعب ماء البحر، ودون ذلك خرط القتاد؛ فهلمّ معي أخي المسلم لنبحرَ في بحر هذه الشخصية الرائعة، ونخوض لجج فضائلها ومناقبها بما روت عنها كتب المسلمين، ألا وهو الإمام الخامس من أئمة الهدى محمد بن علي بن الحسين الباقر عليه السلام.

ونعم الوارث
ثم تستمر هذه السلسلة من العلماء الربانيين وبحسب القاعدة التي بينّاها لك اخي المسلم في مطلع البحث ـ من أنه لا بد من وجود عالمٍ كاملٍ يحتج الله به على العباد يرث من سبقه، ويكمل الطريق، وبه يتم الغرض من بعثة الأنبياء والرسل ـ ليصل الأمر إلى باقر علم النبيين محمد بن علي بن الحسين بن ابي طالب عليه السلام، والذي لقَّبه جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بهذا اللقب لعلمه أنه سيكون وارثاً لعلم النبيين، فقد روى الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الانصاري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا جابر، يوشك أن تلتحق بولدٍ لي من ولد الحسين عليه السلام اسمه كأسمي يبقر العلم بقراً أي يفجره تفجيراً؛ فاذا رأيته فاقرأه عني السلام»(2).
فتعال معي عزيزي القارئ الي بعض ذلك العلم الذي بقرهُ وفجره هذا الامام العظيم عليه السلام لنقف على نزرٍ يسير وقبسةٍ صغيرة من قبساته التي لا تنتهي، فقد أُخذَت عن الامام الباقر عليه السلام معالم الدين وتفاصيل الشريعة، ولا زال العلماء والعلماء والفقهاء يقتبسون... الخ من نور علمه ما يجلي الظلم ويزيل البهم؛ فقد روى عنه بقية صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل جابر بن عبد الله الانصاري، وأخذ عنه أيضاً كبار التابعين مثل جابر بن يزيد الجعفي، وكيسان السختياني، وعمرو بن دينار، وعطاء بن ابي رباح، وأبان بن تغلب، وتتلمذ على يديه الفقهاء أمثال ابن المبارك، والزهري، والاوزاعي، وابو حنيفة، والشافعي، وزياد الهندي.
والكل مطبقون على أن سبب تسميته بالباقر لأنه بقر العلم بقراً أي فجره تفجيراً.
قال جابر بن يزيد الجعفي: «حدثني ابو جعفر ـ يعني الامام الباقر عليه السلام ـ سبعين ألف حديث لم أحدث بها أحداً أبداً»(3).
وقال محمد بن مسلم الثقفي ـ وهو من اجلة الرواة ـ: «ما شجر في رأيي شيء إلاّ سألت عنه أبا جعفر عليه السلام، حتى سألته عن ثلاثين الف حديث»(4).


وما رويَ عن مفردات علمه كثير لا يحصر في هذه العجاله لكن نختار منه ما يناسب المقام:
1 ـ «روى ابو السعادات في فضائل الصحابة: أن جابر الأنصاري بلّغَ سلامَ رسول الله إلى محمد الباقر، فقال له محمد بن علي (يعني فقال الإمام الباقر لجابر الانصاري): أثبت وصيتك فانك راحلٌ إلى ربك، فبكى جابر، فقال (يعني جابر) له: يا سيدي وما علمك، فهذا عهد عهده إليَّ رسول الله؟ فقال له (يعني الإمام الباقر): والله يا جابر، لقد اعطاني الله علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، وأَوصى جابر وصياته وادركته الوفاة»(5).
2 ـ انظر إلى كلامه عليه السلام في التوحيد الذي هو من اشرف العلوم واسناها، فقد روي عنه الكثير من الروايات كانت بحقٍ مناراً للموحدين وضياءً للمتألهين، فها هو عبد الرحمن بن أبي نجران ينقل لنا واحدة من تلك الروائع الثمينة في التوحيد فيقول: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن التوحيد فقلت: أتوهم شيئاً؟ فقال أي الامام الباقر عليه السلام: نعَمْ، غير معقول ولا محدود، فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه، لا يُشبهه شيء ولا تدركه الأوهام، كيف تدركه الأوهام وهو خلاف ما يعقل وخلاف ما يتصور في الأوهام؟! إنّما يتوهم شيء غير معقول ولا محدود»(6).
3 ـ وعن أبي حمزة قال: «سأل نافع بن الأزرق أبا جعفرٍ عليه السلام فقال: اخبرني عن الله متى كان؟ فقال: متى لم يكن حتى أُخبرك متى كان؟ سبحان من لم يزل ولا يزال فرداً صمداً لم يتّخذ صاحبةً ولا ولداً»(7).
فانظر عزيزي القارئ إلى قصور العقل البشري، الأسير دائماً بقيود الزمان والمكان، كيف يحاول أن يضفي هذه القيود على ربه وخالقه جلَّ وعلا؛ فيتصور أن الله جسمٌ يحدّه المكان ويمرُّ عليه الزمان، فلولا الأفذاد من عترة آل الرسول، العلماء الربانيون، لرجع التوحيد شركاً، ولعادت الأصنام إلى مواضعها، فالحمد لله أولاً وآخراً اذ انعم علينا بأن جعل لنا كهوفاً حصينة وأسواراً منيعة، يردّون الضال إلى جادة الحق، ويهدون المستهدي إلى سواء السبيل.
ثم انظر إلى تفسيره للقرآن وبسطه لعلومه، وكيف لا يفسره من ترعرع في بيت النبوة، وتربى في أحضان الرسالة فقد روى محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت: قوله تعالى (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) قال يعني الامام الباقر عليه السلام: اليد في كلام العرب القوة والنعمة، قال الله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ) (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) (وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ) أي: قواهم ويقال لفلان عندي يد بيضاء، أي نعمة»(8).
«ووفد عمرو بن عبيد ـ وهو كبير فرقة المعتزلة في زمانه ـ على الامام الباقر عليه السلام وسأله عن قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) ما هذا الرتق والفتق؟.
فقال أبو جعفر عليه السلام: كانت السماء رتقاً لا تنزل القطر، وكانت الأرض رتقاً لا تخرج النبات، ففتق الله السماء بالقطر، وفتق الأرض بالنبات، فانقطع عمرو ولم يجد اعتراضاً»(9).

تحرير العملة:
إن للامام الباقرعليه السلام اليد الطولى والفضل العظيم على هذه الامة حين انقذها من الانهيار الاقتصادي، وانتشلها من التبعية المالية لامبراطورية الروم آنذاك، فإليه يعود الفضل في وضع أول نظام للعملة وسك النقود في الدولة الاسلامية؛ وذلك بعد أن هددَ ملك الروم بصنع قطع نقدية يكتب عليها شتم الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم اذا لم يستجب زعيم دولة بني أميه آنذاك، وهو عبد الملك بن مروان، لمطالب طلبها منه ملك الروم.
فقد ورد في كتاب المحاسن والمساوي للبيهقي في الجزء الثاني منه في باب (محاسن المسامرة) نص تلك الواقعة، وننقل لك عزيزي القارئ الجزء المهم منها مخافة الاطالة: «فبعد أن سمع عبد الملك بن مروان تهديد ملك الروم ضاقت عليه الأرض، فجمع أهل الإسلام واستشارهم، فلم يجد عند أحدٍ منهم رأياً يعمل به.
فقال له روح بن زنباع: إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الامر، ولكنك تتعمد تركه!.
فقال (عبد الملك): ويحك من؟
قال: الباقر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: صدقت، ولكنه ارتج عَلَيَّ الرأي فيه.
فكتب (عبد الملك) إلى عامله في المدينة: أن أشخص إليَّ محمد بن علي بن الحسين مكرماً و...، فلما وافى (أي وصل الامام الباقر إلى الشام)، أخبره (عبد الملك) الخبر.
فقال له الباقر: لا يعُظمَنَّ هذا عليك، فانه ليس بشيء من جهتين:
أحدهما: أن الله جلّ وعزّ لم يكن ليطلق ما يهددك صاحب الروم في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والأُخرى: وجود الحيلة فيه.
قال: وما هي؟
قال (الباقرعليه السلام): تدعو في هذه الساعة بصنّاع فيضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها سورة التوحيد، وذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أحدهما في وجه الدرهم والدينار، والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه، والسنة التي تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتعمَدُ إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً من الأصناف الثلاثة التي العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل، وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون اوزانها جميعاً واحداً وعشرين مثقالاً، فتجزئها من الثلاثين فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل، وتصب سنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة، والدنانير على وزن سبعة مثاقيل...»(10) وبالفعل فقد خسئ ملك الروم، وعمّت تلك القطع النقدية عموم البلاد الإسلامية آنذاك.

في علم الاجتماع:
ثم تعالَ معي أخي القارئ لنتمعن في الأُسس العظيمة والقواعد المتينة التي وضعها الإمام الباقر عليه السلام لعلم الاجتماع، وكيفية تنظيم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، التي لو أخذت بها البشرية وسارت بهديها لبلغت أرقى مراتب الكمال وأسنى درجات الرفعة واليك باقة عطرة من هذه الأحاديث التي تشكل بحق قواعد اجتماعية رصينة:
فانظر عزيزي القارئ الى نظرية التكافل الاجتماعي، التي نجدها واضحةً جلية في آثار الامام الباقر عليه السلام؛ ففي كلام له نقله لنا عبد الله بن الوليد قال: «قال لنا أبو جعفر محمد بن علي: يُدخل أحدكم يده في كم صاحبه (الكم يعني الجيب) فيأخذ ما يريد؟ قال: قلنا: لا، قال: فلستم باخوان كما تزعمون»(11).
وفي نفس الاطار السابق نراه يخاطب الحجاج بن ارطاة ـ وهو احد الرواة ـ قائلاً له: «يا حجاج، كيف تواسيكم (أي أن الامام يسأل الراوي كيف يواسي أحدكم الآخر)؟ قلت: صالحٌ يا ابا جعفر، قال: يدخل أحدكم يده في كيس أخيه فيأخذ حاجته اذا احتاج إليه؟ قلت: أما هذه فلا، فقال (الامام): أما لو فعلتم ما احتجتم»(12).
وروي عنه عليه السلام في وصيته لجابر بن يزيد الجعفي: «...وأوصيك بخمسٍ: إن ظلمت فلا تظلم، وإن خانوك فلا تخن، وإن كُذِّبْت فلا تغضب، وإن مُدِحْتَ فلا تفرح، وان ذُممت فلا تجزع. وفكر فيما قيل فيك؛ فان عرفت من نفسك ما قيل فيك فسقوطك من عين الله جلَّ وعزّ عند غضبك من الحق أعظم عليك مصيبة مما خفت من سقوطك من أعين الناس، وان كنت على خلاف ما قيل فيك، فثوابٌ اكتسبته من غير أن يتعب بدنك»(13).
وقال عليه السلام يوماً لمن حضره: «ما المروة ؟ فتكلموا، فقال عليه السلام: المروّة أنْ لا تطمع فتذل، وتسأل فتقلّ، ولا تبخل فتشتم، ولا تجهل فتخصم...»
وقال يوماً رجلٌ عنده: «اللهم اغننا عن جميع خلقك! فقال ابو جعفر عليه السلام: لا تقل هكذا، ولكن قل: اللهمَّ اغننا عن شرار خلقك، فإنَّ المؤمن لا يستغني عن أخيه». وهذه تعدُّ بحق من أُمهات القواعد الاجتماعية.
وقال أيضاً: «ان استطعت أن لا تعامل أحداً إلاّ ولك الفضل عليه فافعل».
وقال عليه السلام: «ما من عبدٍ يمتنع من معونة أخيه المسلم والسعي له في حاجته، قضيت أو لم تقض، إلاّ ابتلي بالسعي في حاجة فيما يأثم عليه ولا يُؤجر، وما من عبدٍ يبخل بنفقه ينفقها فيما يرضي الله الا ابتلي بأن ينفق أضعافها فيما أسخط الله.
وقال أيضاً: «صلة الأرحام تزكّي الاعمال، وتنمي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسر الحساب وتنسئ(14) في الأجل».
وقال: «إن الله يحب افشاء السلام»(15).
هذا، وللإمام الباقر عليه السلام روائع في الطب وعلوم الطبيعة وغيرها من العلوم، يطول المقام بذكرها، نتركها اختصاراً.

ورثة علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
إن من أعظم النِعم التي أنعم الله بها على عباده هي نعمة العلم، ذلك النور الذي تتبدد به الظلم، وتتقشع به الفتن، وقد ذكر سبحانه وتعالى هذه النعمة في كتابه المجيد في مقام الامتنان والتفضل على العباد بقوله (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)(16)، ولقد كان من الطبيعي أن يستمر هذا العلم الذي علمه الله تعالى للإنسان الكامل ولا يرتفع من الأرض، لكيلا تبطل الحجج، اذ إن الصانع الحكيم لا يعمل عملاً يناقض غرضه ويخل بحكمته، فاذا فرضنا ارتفاع ذلك العلم بموت واحدٍ من حَمَلَته عمت حينئذٍ الجهالات، ولم يكن للعباد من يرجعون اليه وانتفى الغرض من البعثة الذي هو ايصال الناس إلى الكمال وانتشالهم من هوة الكفر والجهل (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ)(17)، فلا بد من النذير ولا بد من الهادي في كل آن ومكانه (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)(18).
لذا فان من السنن الألهية العظيمة أن يتوارث حملة العلوم الالهية من أنبياءٍ ورسلٍ وأوصياء ويودِعُ سابقهم لاحقهم ما آل اليه من علم. ووردت بهذا المعنى روايات عديدة إليك أخي القارِئ واحدةً منها، فقد روى الحارث بن المغيرة قال: «سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن العلم الذي نزل مع آدم عليه السلام لم يرفع، وما مات عالم إلاّ وقد وَرَّث علمه، إن الأَرض لا تبقى بغير عالم»(19).
ثم إنه من الأُمور المسلمةٍ في ديننا الحنيف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو وارث جميع الأنبياء المتقدمين واليه انتهت علومهم، فهو سيد الانبياء والمرسلين وأشرف خلق الله أجمعين، ولا ينكر هذا مسلمٌ قط.
فاذا علمت هذا أخي المسلم، فاعلم أنه قد تواتر النقل في كتب التاريخ والحديث والتفسير، وأجمع رواة الحديث من جميع فرق المسلمين على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها؛ فمن أراد العلم فلياتِ الباب»(20)، حتى اشتهر على جميع الالسن قول الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب) «لولا علي لهلك عمر»(21)، فعلي هو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحامل علومه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لكل نبيّ وصي ووارث، وإن وصيّي ووارثي عليّ بن ابي طالب»(22)، وكيف لا يكون وارث علم النبيين أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام كذلك وقد ملأت الخافقين علومه وكلماته البليغة؛ فانظر إليه كيف يقيم برهان التوحيد مخاطباً أحد ابنائه بقوله: «واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت افعاله وصفاته؛ ولكنه إلـه واحدٌ كما وصف نفسه، لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول ابداً ولم يزل؛ أولٌ قبل الأشياء بلا أولية، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية، عَظُمَ عن أن تثبت ربوبيته بإحاطةِ قلب أو بصر»(23).
وانظر أيضاً تفسيره للوحدانية وهو في أصعب الحالات وأشدها، حين سأله اعرابي في معركة الجمل قائلاً له: «يا أمير المؤمنين، أتقول إنَّ الله واحد؟ فحمل الناس عليه، قالوا: يا أعرابي، أما ترى ما فيه امير المؤمنين من تقسيم القلب؟! فقال أمير المؤمنين عليه السلام: دعوه، فان الذي يريده الاعرابيُّ هو الذي نريده من القوم ـ ان من تأمل في هذا الكلام يجد أن المعركة هي معركة توحيد وشرك ـ ثم قال عليه السلام: يا أعرابي، إنَّ القول في أنَّ الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ ووجهان يثبتان فيهِ، فأما اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل: واحد، يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الاعداد، أما ترى أنّه كفر من قال ثالث ثلاثة؟.
وقول القائل: هو واحد من الناس، يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه وجل ربنا عن ذلك وتعالى.
اما الوجهان اللذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا، وقول القائل: إنه عز وجل أَحديُّ المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عزّ وجلّ»(24).
فهل تستقى هذه المعارف الحقة والعلوم الربانية إلاّ من عالم ربانيّ فلو بقي الإنسان آلاف السنين بمفرده دونما عالمٍ إلهي يأخذ بيده، لن يستطيع الوصول إلى مثل هذه المعارف، بل اذا أخذها المرء من غير معينها، واستقاها من غير محلها، فانه لن يزداد إلاّ عطشاً وسوف يصبح حينئذٍ من الضآلين كما ضلَّ الكثير الكثير من الأقوام.

في معالي أموره عليه السلام

1 ـ في احسانه وكرمه:
ولقد كان عليه السلام في زمانه أوضح وأجلى مصداق للمعروف، ولا غرابة في ذلك فهو سليل أمير المؤمنين علي بن ابي طالب الذي قال الله تعالى فيه في محكم كتابه: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(25).
فقد حذا الإمام الباقر عليه السلام حذو جده أمير المؤمنين عليه السلام في جميع خصاله ومنها الجود والسخاء بما ملكت يداه؛ فهذا عمرو بن دينار وعبد الله بن عبيد بن عمير يقولون: «ما لقينا أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام إلاّ وحمل إلينا النفقة والصلة والكسوة، ويقول: هذه مُعدّةٌ لكم قبل أن تلقوني»(26).
وروى الأسود بن كثير قال: «شكوت الى أبي جعفر عليه السلام جور الزمان وجفا الإخوان، فقال: بئس الأخ أخٌ يرعاك غنياً، ويجفوك فقيراً. ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم؛ فقال: استعن بهذه على الوقت، فاذا فرغت فاعلمني»(27). ويقول المؤرخون انه اوصى اهله اذا قصدهم سائل أنْ لا يقولوا له: يا سائل خذ هذا، وإنما يقولوا له: يا عبد الله بورك فيك(28).
وقال: سموهم بأحسن أسمائهم(29).
ولننتقل إلى محطةٍ أُخرى من محطات المعروف والاحسان عند هذا الإمام العظيم، ألا وهي عتق وتحرير العبيد، فقد اتسمت حياة هذا الإمام عليه السلام ـ وكما هو ديدن أبيه واجداده عليهم السلام ـ بهذه الظاهرة الاجتماعية المنيرة. ولعلَّ أول وأَهم أسباب هذه الظاهرة ـ هو أن السلطة الأموية الحاكمة آنذاك انتهجت سياسة التمييز العنصري والتفرقة بين اجناس البشر، على موازين ما أنزل الله بها من سلطان؛ فهذا معاوية بن أبي سفيان يخاطب ابن حديج واصفاً له اهل مصر قائلاً:
«يا بن حديج: إِنّي وجدت أهل مصر على ثلاثة أصناف: فثلث ناس، وثلث أشبه الناس بالناس، وثلث لا ناس، فقال: فسر لنا يا أمير المؤمنين هذا. قال: أما الثلث الذين هم الناس فالعرب، والثلث الذين يشبهون الناس فالموالي، والثلث الذين لا ناس فالمسالمة»(30).
ولعلَّ السبب الثاني لتميز حياة الإمام الباقر بظاهرة عتق العبيد والوقوف بوجه الاستعباد؛ هو ازدياد اعداد العبيد لكثرة الفتوحات في ذلك العهد، ووقوع الكثير من هؤلاء في أسر جيوش المسلمين، فاصبحوا يشكلون طبقة اجتماعية كبيرة، وشريحة لا يستهان بعددها حتى انتشروا في جميع الحواضر الاسلامية؛ فكان انتشارهم بهذه الصورة ومن دون تحصين أخلاقي ديني سبباً مهماً في شيوع البطالة والفساد في اوساطهم، مما حدى بالأئمة عليهم السلام للتصدي لهذه الظاهرة بصورة مباشرة، فكان الامام الباقر عليه السلام ومن قبله آبائه الطاهرين هم الرواد في التصدي للعبودية والوقوف في وجهها فقد روى عنه ولده الامام الصادق عليه السلام قال: «دخلت على أبي يوماً وهو يتصدق على فقراء أهل المدينة بثمانية آلاف دينار، واعتق اهل بيت بلغوا أحد عشر مملوكاً»(31).
«وكان عنده ستون مملوكاً فأعتق ثلثهم عند موته»(32).

2 ـ في حلمه عليه السلام:
إن الحلم صفة ربانية، وسجية الهية، ولا يخفى أن أحد اسماء الله تعالى هو «الحليم»، وقد وصف الله عزّ وجلّ نفسه بهذه الصفة في مواطن كثيرة في القرآن المجيد منها قوله تعالى (...وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)(33)، وقد «قيل للإمام الحسن بن علي عليهما السلام: ما الحلم قال: كظم الغيض وملكُ النفس»(34).
فإذا علمتَ هذا فهلمَّ معي نتصفح بعض المفردات الغراءَ التي سطرها الرواة حول حلم الإمام الباقر عليه السلام، فقد روي «أن نصرانياً اعتدى عليه بأفحش القول، حيث خاطبه أنت بقر. قال الإمام: لا أنا باقر، قال: انت ابن الطباخة، قال: ذاك حرفتها، قال: انت ابن السوداء الزنجية البذية، قال عليه السلام: إن كنت صدقت غفر الله لها، وان كنت كذبت غفر الله لك، فلم يكن من النصراني إلا أن يثوب إلى رشده، بعد إدراك فضل الإمام عليه السلام وسمو شخصيته، وعظمة الرسالة التي يتبناها، فيعلن اسلامه بين يدي الإمام عليه السلام»(35).
وروي أيضاً أن رجلاً من أهل الشام كان يحضر مجلس الإمام محمد الباقر عليه السلام، فقال يوماً مخاطباً الإمام عليه السلام: يا محمد، الا ترى أنّي إنما أغشى مجلسك حياءً منّي منك، ولا أقول إنّ احداً في الأرض أبغض اليَّ منكم أهل البيت، وأعلم أن طاعة الله وطاعةَ رسوله وطاعة امير المؤمنين في بغضكم (يقصد من أمير المؤمنين الخليفة الاموي في ذلك العصر)، ولكن أراك رجلاً فصيحاً لك أدب، وحسن لفظ، فانما اختلافي اليك (أي اتياني الى مجلسك) لحسن أدبك.
ونظر اليه الإمام عليه السلام بعطف وحنان، وأخذ يتعاهده ويحنو عليه حتى استقام الرجل، فتبدل به الحال من بغض اهل البيت ونصب العداوة لهم الى الحب والود والطاعة، فظل ملازماً للإمام عليه السلام بعدما تبين له الحق(36).

3ـ صبر الامام عليه السلام
(وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)(37).
قال تعالى في محكم كتابه ومنيف خطابه: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)(38).
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما الايمان؟ قال: الصبر(39).
بهذا الخطاب القرآني والحديث النبوي نفتتح حديثنا عن صفة الصبر عند الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام، وسنرى في طيات البحث أنه عليه السلام كان كآبائه الطاهرين في هذه الصفة الحميدة، وكيف لا يكون الباقر عليه السلام كذلك وقد ورث الكمال النبوي والسؤدد العلوي! ولعل أولى مفردات صبره العظيمة هي تحمله كل معاني الأسى واللوعة بما شاهده في ذاك اليوم العسير، يوم عاشوراء، حيث كان ولما يزل في مقتبل العمر، ولم يتجاوز عمره الشريف آنذاك الخمس سنوات حيث رأى بأم عينيه تلك المناظر المهولة التي تقشعر لها الأبدان، وتتخطف من شدتها القلوب؛ فقد رأى بهاتيك العينين الشريفتين جده الحسين عليه السلام مخضوبٌ بدمه، قطيع الرأس، معفر الجسد، غُسّل من فيض دمه الطاهر، كفنه ذاري التراب، قد داسته الخيل بحوافرها، وتُرِك ثلاث أيام في العراء(40). ثم رأى هجوم جيش يزيد بن معاوية الفاسق الفاجر على بنات الرسول، بنات علي المرتضى والطهر البتول، وانتزعوا منهن حتى الحلي والاقراط، بل وصلت الخسة والدناءة والهمجية بذلك الجيش بان نزعوا من النساء حتى الأُزر والمقانع التي تغطي رؤوسهن ووجوههن(41).
وهذه الأُمور من المواطن التي يعجز القلم أن يعلق عليها أو يضيف لها شيئاً، نترك ذلك لضمير القارئ الغيور ليميز الحق من الباطل والخبيث من الطيب. كل ما سبق بل وأكثر منه جرى على أهل هذا البيت الطاهر، وعدٌ موعود وكتابٌ معهود؛ فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمقتل ولده الحسين، بأخبار لا تحصى كثرةً ورواها جمهور رواة المسلمين، ننقل هنا واحداً منها تحاشياً عن الإطالة.
فقد روى الحافظ الكبير محمد بن مكرّم المعروف بابن منظور في مختصر تاريخ دمشق قال: «حدّثَ عبد الله بن يحيى عن أبيه أنه سافر مع علي بن أبي طالب ـ وكان صاحب مطهرته ـ ، فلما حاذوا بنينوى(42) وهو منطلق إلى صفين نادى عليٌّ عليه السلام: صبراً أبا عبدالله، صبراً أبا عبد الله بشط الفرات، قلت: ومن ذا أبو عبد الله؟ قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعيناه تفيضان، فقلت: يا نبي الله أغضبك أحد؟ ما شأن عيناك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبلُ؛ فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، وقال (يعني الرسول اللهم صلى الله عليه وآله): هل لك أن أُشمك من تربته؟ قال(علي عليه السلام): قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فاعطانيها، فلم يَسَعْني املك عينيَّ أن فاضتا»(43).
وقد روى لنا الإمام الباقر عليه السلام فصولاً من تلك المأساة المفجعة نذكر واحداً منها: «...ولما رأى الحسين عليه السلام مصارع فتيانه وأحبّته، عزم على لقاء القوم بمهجته، ونادى: هل من ذابٍّ يذبُّ عن حُرَم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! هل من موحّدٍ يخاف الله فينا! هل من مغيث يرجو الله باغاثتنا؟ هل من معين يرجو الله في اعانتنا؟.
فارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدم إلى الخيمة وقال لزينب: (هي زينب بنت علي بن أبي طالب، اخت الحسين لأمه وابيه) ناوليني ولدي الصغير ـ وكان للحسين عليه السلام ولداً رضيعاً يسمى عبد الله ـ حتى أودّعه، فأخذه وأومأ إليه ليقبّله، فرماه حرملة بن الكاهل الأسدي ـ لعنه الله تعالى ـ بسهم فوقع في نحره فذبحه، فقال الحسين عليه السلام لزينب: خذيه، فتلقِّى الدم بكفّيه، فلما امتلأتا رمى بالدم نحو السماء، ثم قال: هوّنَ عليَّ ما نزل بي أنّه في عين الله.
قال الإمام الباقر عليه السلام: فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض»(44).
لقد وطنتْ هذه الاسرة الإلهية نفسها لأمر الله تعالى، وسلمت له تسليماً ليس له مثيل، فصبروا منتهى الصبر، اذ اعاروا ربهم كل ما يملكون، حتى اذا لم تبق إلاّ نفوسهم الزكية، قدّموها قرابين لله تعالى. وهاك مصداقاً آخر لهذا التسليم والانقياد لربّ العزة جلَّ وعلا والصبر على قضائه.
وروى المؤرخون عن عظيم صبره أنه كان جالساً مع أصحابه إذ سمع صيحة عاليه في داره، فاسرع إليه بعض مواليه، فأسرّه (أي كلمه سراً)، فقال عليه السلام: الحمد لله على ما أعطى، وله ما أخذ، انههم عن البكاء، وخذوا في جهازه (أي غسلوه وكفنوه)، واطلبوا السكينة وقولوا لها: لا ضير عليك، أنت حرة لوجه الله، لما تداخلها من الروع...
ورجع (الإمام) إلى حديثه، فتهيب القوم سؤاله (أي خافوا أنْ يسألوه لهيبته)، ثم أقبل غلامه فقال له: قد جهزناه، فأمر (الإمام) أصحابه بالقيام معه للصلاة على ولده ودفنه، وأخبر أصحابه بشأنه، فقال لهم: انه سقط من جارية كانت تحمله فمات»(45).
وقد تحمل عليه السلام كل الضغوط السياسية القائمة آنذاك من قبل الحكومة الأموية تجاهه وتجاه اتباعه وأهل بيته، ولعل أقسى انواع تلك الضغوط هي ممارسة السلطة الحاكمة سب أمير المؤمنين ومولى الموحدين علي بن أبي طالب عليه السلام وشتمه على المنابر، حتى صارت سنة يتبعها وعاظ السلاطين واتباع الدينار والدرهم(46)، ولم يرفع سب أمير المؤمنين عليه السلام من على منابر بني أمية الا بعد أربعين سنه، حين تولى الحكم عمر بن عبد العزيز فأمر بالكف والانتهاء عن ذلك(47).

4 ـ عبادته عليه السلام عبادة المحبين:
لقد ورد عن إمامنا جعفر بن محمد الصادق قوله: «إنَّ الناس يعبدون الله ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه، فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع، وآخرون يعبدونه فرقاً من النار؛ فتلك عبادة العبيد وهي رهبة، ولكني أعبده حباً له عزّ وجلّ؛ فتلك عبادة الكرام، وهو الأمن لقوله عزّ وجلّ: (وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ)، ولقوله عزّ وجلّ: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ...) فمن أحب الله، أحبه الله، ومن أحبه الله عزّ وجلّ كان من الآمنين»(48).
ونلاحظ هذا المعنى جلياً واضحاً في عبادة الإمام الباقر عليه السلام فهذا أحد خدمته يروي عنه قائلاً: «حججت مع أبي جعفر محمد الباقر، فلما دخل المسجد ونظر البيت بكى، فقلت: بأبي أنت وأمي؛ إن الناس ينظرون إليك فلو خفّضت صوتك قليلاً، فقال: ويحك يا افلح، ولم لا ارفع صوتي بالبكاء، لعل الله ينظر إليَّ برحمةٍ منه فأفوز بها غداً، ثم طاف بالبيت وجاء حتى ركع خلف المقام، فلما فرغ اذا موضع سجوده مبتل من دموع عينيه»(49).
وقد نقل لنا ولده الإمام الصادق عليه السلام عن شدة عبادته فقال: «كان أبي عليه السلام كثير الذكر، لقد كنت أمشي معه وانه ليذكر الله، وآكل معه الطعام وإنه ليذكر الله، ولقد كان يحدث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول: لا الـه الا الله، وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا، ومن كان لا يقرأ منا أمره بالذكر»(50).
ثم انظر إلى خشوع الإمام الباقر عليه السلام في عباداته وسائر افعاله تجده من الذين قيل فيهم: (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)(51)، فقد روى لنا الإمام الصادق عليه السلام هذا المعنى بقوله: «إنّي كنت أمهّد لأبي فراشه فانتظره حتى يأتي، فاذا آوى إلى فراشه ونام قمت الى فراشي، وإنّه أبطأ عليَّ ذات ليلة، فأتيت المسجد في طلبه، وذلك بعدما هدأ الناس، فاذا هو في المسجد ساجد، وليس في المسجد غيره، فسمعت حنينه وهو يقول: سبحانك اللهم أنت ربي حقاً حقاً، سجدت لك يا ربِّ تعبّداً ورقّاً؛ اللهمَّ إن عملي ضعيف فضاعفه لي، اللهمَّ قني عذابك يوم تبعث عبادك، وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم»(52).
وهذا المعنى، اعني الخشوع والتذلل في العبادة، من المعاني التي يفتقرها الكثيرون في عباداتهم هذا اليوم، فنلاحظ أن العبادة في كثير من أصبحت وظيفةً تؤدى، وثقل يجب الفراغ منه كيفما اتفق، وهذا ما يضعف الصلة بين العبد وربه، فالعلاقة الوظيفية علاقة ضعيفة هشة يمكن أن تنقطع بأدنى صدمة، وقد تَنَبّأَ رسول الله بهذه الحالة ودقُ ناقوس خطرها مبكراً حين قال: «إن أولَ شيءٍ يرفع من هذه الأَمة، الأمانةُ والخشوع حتى لا تكاد ترى خاشعاً»(53).
جعلنا الله واياكم من الخاشعين المتذللين له عزّ وجلّ، ونسأله أن يوفقنا لأن نحقق أركان الخشوع واسسه، قال الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «أما علامة الخاشع فأربعة: مراقبة الله في السّرّ والعلانيه، وركوب الجميل، واتفكّر ليوم القيامة، والمناجاة لله»(54).
والحمد لله رب العالمين

زاد المعاد-

 المصدر : مؤسسة الكوثر
--------------------------------------------------------------------------------


(1)ـ سوة الشورى آيه 23.
(2)ـ الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ص 193، ومثله في كتاب المناقب لابن شهر آشوب: ج 3، ص 328.
(3)ـ اعيان الشيعة: المجلد الاول، ص 651.
(4)ـ رجال الكشي: ص 109.
(5)ـ مناقب آل ابي طالب: ج3، ص 328، اثبات الهداة: ج 3، ص 65.
(6)ـ أصول الكافي: ج 1، ص 104.
(7)ـ أصول الكافي: ج 1، ص 110.
(8)ـ ائمتنا: ج 1، ص 354، عن تفسير البرهان: ج 4، ص 64.
(9)ـ الاحتجاج: ج 2، ص 326.
(10)ـ أعيان الشيعة: مجلد 1، ص 654، عن المحاسن والمساوي للبيهقي: ج 2، ص 129.
(11)ـ حيلة الاولياء: ج 3، ص 187.
(12)ـ اعيان الشيعة: مجلد 1، ص654.
(13)ـ تحف العقول: ص 284.
(14)ـ تنسئ في الاجل: أي تأخره.
(15)ـ تحف العقول: ص 292 ـ 300.
(16)ـ سورة العلق: آيات 3 ـ 5.
(17)ـ سوة فاطر: آية 24.
(18)ـ سورة الرعد: آية 7.
(19)ـ أصول الكافي: ج 1، ص 249.
(20)ـ راجع: أسد الغابه: ج 4، ص 100، كنز العمال: ج 11، ص 600 و ص 614، الصواعق المحرق ص 73، لسان الميزان: ج 1، ص 432، وغيرها من كتب المسلمين.
(21)ـ الرياض النضرة: ج 2، ص 196، ذخائر العقبى: ص 80 و ص 82، الاستيعاب في هامش الاصابة: ج 3، ص 39.
(22)ـ كنوز الحقائق: ص 121، ذخائر العقبى: ص 71، الرياض النضرة: ج 2، ص 178.
(23)ـ تصنيف نهج البلاغة: ص 78.
(24)ـ التوحيد للصدوق: ص 83.
(25)ـ سورة البقرة: آيه 274، راجع في سبب نزولها ما يلي: أسباب النزول للواحدي: ص 64، أُسد الغابه: ج 4، ص 104، التفسير الكبير: ج 7، ص 89، الصواعق المحرقة: ص 87.
(26)ـ بحار الانوار: ج 46، ص 288.
(27)ـ الفصول المهمة: ص 197.
(28)ـ هامش 20 ساقط: عيون الاخبار لله ينوري: ج 3، ص208.
(29)ـ حياة الامام الباقر القرشي: ج 1، ص 123.
(30)ـ مختصر تاريخ دمشق: ج 17، ص 284.
(31)ـ بحار الانوار: ج 46، ص 302.
(32)ـ حياة الامام الباقر القرشي: ج 1، ص 124.
(33)ـ سورة النساء: آيه 12.
(34)ـ ميزان الحكمة: ج 2، ص 516.
(35)ـ سيرة رسول الله وأهل بيته: ج 2، ص 260.
(36)ـ راجع حياة الإمام الباقر القرشي: ج 1، ص 121، البحار ج 46، ص233.
(37)ـ سورة آل عمران: آيه 146.
(38)ـ سورة السجدة: آيه 24.
(39)ـ ميزان الحكمة: ج 5، ص 257.
(40)ـ راجع أنساب الأشراف: ج 3، ص 202/ طبعة بيروت طبقات ابن سعد: ج8، ص 60 ـ 62 مقاتل الطالبيين: ص 116.
(41)ـ راجع أنساب الأشراف: ج 3، ص 204، طبقات ابن سعد: ج 8، ص 62.
(42)ـ نينوى: (... وبسواد الكوفة ناحية يقال لها نينوى منها كربلاء التي قتل بها الحسين رضي الله عنه...) عن معجم البلدان، ياقوت الحموي: ج 5، ص 391.
(43)ـ مختصر تاريخ دمشق (ابن منظور: ج 7، ص 133، سير اعلام النبلاء: ج 3 ص 288. ط/ بيروت 1993.
(44)ـ اللهوف (ابن طاووس: ص 117.
(45)ـ حياة الإمام الباقر، القرشي: ج 1، ص 122.
(46)ـ راجع: صحيح مسلم: ج 7، ص 120، صحيح الترمذي: ج 13، ص 171 تاريخ الطبري: ج6، ص96.
(47)ـ راجع تاريخ اليعقوبي: ج 3، ص 42.
(48)ـ ميزان الحكمة: ج 6، ص 18.
(49)ـ نور الابصار، الشبلنجي: ص 251.
(50)ـ بحار الانوار: ج 46، ص 297.
(51)ـ الاسراء: آية 109.
(52)ـ بحار الانوار: ج 46، ص 301.
(53)ـ ميزان الحكمة: ج 3، ص 38.
(54)ـ ميزان الحكمة: ج 3، ص 39.



 
 


أهل البيت عليهم السلام :

  • النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم
  • أمير المؤمنين علي عليه السلام
  • الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام
  • الامام الحسن عليه السلام
  • الإمام الحسين عليه السلام
  • الامام علي السجاد عليه السلام
  • الإمام الباقر عليه السلام
  • الإمام جعفر الصادق عليه السلام
  • الإمام موسى الكاظم عليه السلام
  • الإمام علي الرضا عليه السلام
  • الإمام محمد الجواد عليه السلام
  • الإمام علي الهادي عليه السلام
  • الإمام الحسن العسكري عليه السلام
  • الإمام الحجة المهدي عليه السلام

تربية أخلاقية :

  • أخلاقيات

فكر وعقيدة :

  • عقائديات

مقالات ومواضيع منوعة :

  • المرأة والطفل
  • منوعات
  • مقابلات مع الشيخ علي الدهنين دام عزه
  • محاضرات مكتوبة للشيخ الدهنين
  • شخصيات إسلامية

سير بعض العلماء :

  • آية الله العظمى الشيخ بهجت

القسم الصوتي والمرئي :

  • محاضرات محرم لعام 1434 هـ

سماحة الشيخ حيدر السندي :

  • التوحيد الإلهي
  • العدل الإلهي
  • النبوة
  • الإمامة
  • أهل البيت عليهم السلام
  • الإمام المهدي عليه السلام
  • منوعات
  • منوعات فقهية
  • على ضفاف الطف
     جديد القسم :



 حديث( علي حبه حسنة ) فوق شبهة التغرير في ارتكاب السيئة:

 المرأة عند الشيعة

 دفع شبهة ترتبط بعمومية الرسالة الخاتمية:

 البحث الثالث: من قتل الإمام الحسين عليه السلام؟

 آلية الإصلاح في النهضة الحسينية

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثالث)

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثاني)

 عظمة النهضة الحسينية (القسم الأول)

 التوسل بالأنبياء وفعل المشركين

 المرجع الأعلى إذا تحدث

     البحث في القسم :


  

     مقالات عشوائية :



 حول شخصيّة الأمام الباقر عليه السلام

 السيدة زينب بنت الإمام أمير المؤمنين عليهما السلام

 إثبات الإمام الرضا عليه السلام بأنّ الله تعالى لا يؤين ولا يكيف

 تساؤلات حول الدين

 سطوع النور القدسي للإمام الرضا عليه السلام

 شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وأبعادها الإنسانية

 لماذا ولدت حوراء إنسية؟

 هل استشهاد المعصوم ينافي علمه بالغيب؟

 السيرة الذاتية لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه

 مقابلة 2 مع سماحة الشيخ علي الدهنين

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • راسلنا - إتصل بنا
  • أرسل إستفتاء / سؤال
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

 زاد المعاد : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه  @  www.zaad.org

تصميم وبرمجة وإستضافة الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net