الإسلام وتكريم الطفل 

القسم : المرأة والطفل   ||   التاريخ : 2008 / 05 / 06   ||   القرّاء : 5215

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام وتكريم الطفل-الشيخ محمد تقي فلسفي

 

قال الله تعالى في كتابه الحكيم : ( قل كل يعمل على شاكلته ). لقد توصلنا في المحاضرة السابقة إلى النتيجة التالية ، وهي أن الأطفال لو قوبلوا بالتكريم والاحترام من الوالدين في محيط الأسرة فلا ينشأون حقراء أذلاء ، ولا يحسون في أنفسهم بالخسة والضعة . وفي هذه المحاضرة نبدأ من حيث انتهينا أمس لبحث تتمة الموضوع ، وقبل ذلك لا بأس بذكر أمرين :


 الأطفال المعقدون :

 الأول : أن بحثنا التربوي هذا يدور حول الأطفال العاديين لا المعقدين أو الأطفال المصابين بالجنون والبلادة الموروثة . وبعبارة أوضح فإن بعض الأطفال يتولدون مجانين أو حمقى ويكون لهذه النقيصة الوراثية جذور عميقة في كيانهم ، وهؤلاء يستحيل أن يصبحوا عقلاء أو أذكياء في يوم ما ، وليس في مقدور المربي القدير أن يحولهم إلى أفراد أكفاء . كما أن هناك أطفالا ليسوا بالمجانين ولكن سلوكهم ليس عاديا ، انهم  مشاغبون وفوضويون ، هؤلاء عليهم اسم الأطفال المعقدين في البحوث التربوية .

« ان عنوان الأطفال المعقدين يشتمل على معان كثيرة في الحقيقة . فهو يطلق بالدرجة الأولى على الأطفال المشاغبين أي الصبيان الذين تنظر إليهم التربية المعاصرة نظرة التحقير والاستغراب . هؤلاء الأطفال يتسببون في كثير من المفاسد والتخريبات بواسطة القوى التي يستخدمونها للوصول إلى مقاصدهم ». هناك عوامل عديدة تفسر بموجبها هذه الحركات الشاذة للأطفال ، فيجب أن تعرف معرفة دقيقة حتى يتسنى العمل على إزالتها . في بعض الأحيان يكون الدافع إلى الأعمال الشاذة والحركات الضارة للطفل المعقد وجود العاهات أو النقائص العضوية أو التشويهات في بدنه ، في هذه الحالة يكون الطفل مريضا فهو بحاجة إلى علاج . « كما ان الطفل المريض لا يرسل إلى المدرسة ، كذلك يجب أن لا نخضع الطفل الذي ليس سليما من الناحية الفسيولوجية إلى تربية جديدة . كل طفل معقد يجب أن يخضع قبل تربيته ، أو إعادة تربيته ، إلى فحص دقيق . وفائدة هذا العمل أن جهود المربى لا تصرف عندئذ في سبيل تربية طفل يحتاج إلى رعاية صحية أو روحية فقط » . « فمثلا تعتبر التربية بوحدها عقيمة في فحص حالات الحقد التي ترتبط بداء الصرع . والسرقات الحاصلة في دور المراهقة والتي تحصل على أثر الإختلالات لحادثة في الغدة النخاعية ، وأعمال الشغب الناشئة من تخلف النمو العصبي ، وحالات العصاب المتصلة بآثار الالتهابات الدماغية ، والكسل الذي يولد من قلة إفرازات الغدد الثايرويدية ، والإخلالات الحاصلة من ثلة الأمراض الروحية الموروثة ». هؤلاء الأطفال يجب أن يخضعوا لأساليب تربوية خاصة من قبل المتخصصين في التربية النفسية والعلاج الروحي والعصبي ، وان المناهج التربوية الاعتيادية لا تعود عليهم بالنفع أو الأثر أصلا . إن بحثنا يختص بتربية الأطفال الإعتياديين والطبيعيين ، الأطفال المتولدين من آباء وأمهات أصحاء في ظروف طبيعية . ذلك أن استعمال الأساليب التربوية في حق هؤلاء يتضمن فوائد عظيمة وآثارا مهمة .

فإذا تنبه الآباء والأمهات في هذه الحالة إلى المسؤولية العظيمة الملقاة على عواتقهم واهتموا بإيجاد جو مناسب للتربية الصالحة في الأسرة والتموا الصدق في الحديث والاستقامة في السلوك مع أطفالهم ، وطبقوا المناهج التربوية في كل خطوة ومرحلة ، فإنهم يستطيعون تربية أطفال مهذبين وأكفاء من كل جهة ، ويكونون بذلك قد نفذوا الأوامر الإلهية وأدوا ما عليهم تجاه أطفالهم تجاه المجتمع الذي يعيشون بين ظهرانيه .


أهمية تربية الطفل :

 الثاني : ان مسألة تربية الطفل تشغل مكانة مرموقة من المسائل الاجتماعية في العصر الحديث ، فهي من أهم أركان السعادة البشرية . لقد بحث العلماء كثيرا حول مختلف الجوانب النفسية والتربوية للطفل وألفوا الكتب العديدة في هذا المجال . ولذلك فإن الدول العظمى تنشئ المؤسسات والمنظمات العظيمة لغرض تنشئة الطفل تنشئة سليمة من حيث الروح والجسد فيخضعون الأطفال في سبيل ذلك إلى رقابة عملية وتطبيقية مشددة . وبصورة موجزة فإن ( الطفل ) يشغل مجالا مهما من مجالات التفكير الحديث . أما الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله فقد ظهر قبل أربعة عشر قرنا ، وفي عصر يعمه الجهل والضلال ، في المجتمع الحجازي المتأخر . . . وأخذ يبدي اهتماما بالغا إلى قيمة تربية الطفل ، وبدأ يرشد أتباعه إلى التعاليم اللازمة في هذا الصدد . لقد عالج الإسلام جميع القضايا التي ترتبط بالعلاقة الزوجية ، وشروط الرجل والمرأة من حيث طهارة النسل المنحدر عنهما ، وكذلك شروط الرضاع ، وتنشئة الطفل خطوة خطوة . هناك حقائق نفسية وتربوية كثيرة حول منهج تربية الطفل يذكرها العلماء المعاصرون في كتبهم وأبحاثهم في حين سبقهم إلى التصريح بها أئمة الإسلام وقادة المسلمين عليهم السلام في القرون الماضية . وما أكثر المسائل العلمية التي ذكرها أئمتنا عليهم السلام حول تربية الطفل وسائر الموضوعات ولكنها لم تصل إليها لصعوبة التدوين والكتابة !

إن الهدف من تربية الطفل في هذه المحاضرات أمران :

 الأمر الأول أن يدرك المستمعون الكرام - والطبقة المثقفة منهم بالخصوص - إلى عظمة التعاليم الإسلامية ومدى شمولها لمختلف جوانب الحياة ، ويطلعوا على القيمة العلمية لهذه الحقائق فيتبعوها بإيمان أعمق واعتقاد أقوى .

 والأمر الثاني هو أن يتنبه أولياء أمور الأطفال إلى المسؤولية الدينية والوطنية الخطيرة الملقاة على عواتقهم بالنسبة إلى تربية الصبيان المودعين بأيديهم ، ويقوموا بواجبهم هذا خير قيام . مما لا ريب فيه أن شطرا كبيرا من المأسي والمشاكل الاجتماعية وجانبا مهما من الانحرافات الخلقية لشبابنا يعود إلى سقم الأساليب التربوية المتبعة بحقهم في أيام الطفولة ، ولسوء التربية في الأسرة جذور مختلفة بحسب المستوى الذي يبلغه الآباء والأمهات من حيث التكامل الروحي أو الانحطاط المعنوي .

مضار التربية الفاسدة : يتميز بعض الآباء والأمهات بكونهم فاسدين وذوي أخلاق سيئة ، فهؤلاء لا يربون أولادهم إلا على الفساد والانحراف ، لأن الأطفال يتعلمون دروس الانحراف وسوء الخلق من آبائهم وأمهاتهم فينشأون على ذلك السلوك المتطرف ، ومن البديهي أن هذا السلوك لا يعكس في المجتمع إلا آثارا فاسدة . كما يتميز بعض الآباء والأمهات بأنهم يصرفون جل اهتمامهم إلى ضمان الغذاء واللباس والمأوى لأطفالهم ، ولعدم توفر النضج العقلي الكافي فيهم فإنهم يهملون الجوانب التربوية والخلقية للطفل ، وحتى لو حاولوا أن يقوموا بهذا الواجب العظيم فإنهم لا يعلمون ماذا يفعلون ؟ وماذا يقولون ؟ وكيف يرشدون الطفل ؟ لأنهم لم يفكروا يوما ما في أمر استيعاب المناهج التربوية الصالحة ولم يحاولوا أن يفهموا واجبهم في هذا المجال .

تهاون بعض الآباء : أما طائفة أخرى من الآباء والأمهات فهم يعرفون معنى التربية الخلقية والتنشئة الروحية للطفل إلى درجة ما ، ويعرفون السبل إلى تحقيق ذلك ولكنهم يتهربون عن واجبهم بصورة عملية ، ولا يجدون مسؤولية ما على عواتقهم في هذا المجال . وكأن هؤلاء يتصورون أن النمو النفسي للطفل يخضع للحوادث الفجائية وللصدقة فيتركونه بيد الأقدار توجهه كيفما تشاء مهملين واجبهم المقدس . . . في حين أنه لا يمضي وقت طويل حتى يجني الآباء الثمار السيئة لذلك الإهمال والتهاون . هؤلاء الأطفال يخضعون لتأثير العوامل الهدامة والمضللة بسرعة لأنهم يفقدون الشخصية الخلقية المستقلة ولا يملكون القوة النفسية التامة ، فينحرفون عن الصراط المستقيم ، ويقدمون على مختلف أنواع الجرائم والمعاصي ، والوزر في ذلك كله يعود على الوالدين . إن دور الطفولة يحتل الأهمية العظمى في تقرير أساس الحياة . وإن السلوك المفضل أو الفاسد للأفراد يعود إلى الأساليب التربوية الصالحة أو الفاسدة المتخذة في حقهم ، إن الفرد يسير طيلة أيام عمره على طبق الخلقيات الخاصة به ، وان أساس الخلقيات ينشأ في أدوار بالطفولة . وبهذا الصدد يذكر القرآن الكريم : ( قل كل يعمل على شاكلته ) وشاكلته : أي خلقه وطبيعته .

 إذن فالآية الكريمة تصرح بأن أفعال كل فرد وأقواله إنما تسير حسب خلقه وطبيعته التي نشأ عليها . « إن الحقيقة التي تتضح يوما بعد يوم هي أن للإدراكات الحاصلة في دور الطفولة والحوادث والتجارب الواقعة في تلك الفترة تأثيرا قاطعا على حياة الإنسان ، إذ نستطيع القول بصراحة بأن هذه الإدراكات والتجارب تعتبر الأساس لسلامة الأفراد وسقمهم ، وسعادتهم وشقائهم طيلة أيام العمر » . « إن الطفل يصنع في الأعوام الأولى من حياته سدى حياته ولحمتها ، وبمجرد أنه يترك المهد ويأخذ في المشي يكون قد تقرر ما ينبغي أن يقع وما لا ينبغي » . « تصب ركائز مشاعر الطفل وأحاسيسه من أولى أيام الرضاع ، أي أن العالم الخارجي إما أن يبدو أمرا منسجما وباعثا على الأمل في نظره ، أو أنه يفهم منذ ذلك اليوم أنه عبارة عن مجموعة من اليأس والعذاب . إما أن يفهم منذ البداية أنه يجب التغلب على المحيط الخارجي بالبكاء والعويل ، أو يذعن بأن هناك من يفهم وضعه بصورة جيدة ويهئ له العوامل المساعدة . هذه الحقائق وحقائق أخرى تترك أثرا كبيرا على تفكير الطفل الرضيع ، بحيث تلازم شخصيته طيلة أيام الطفولة والمراهقة والشيخوخة ».

 إننا نأمل أن يهتم الآباء والأمهات المسلمون بأداء واجباتهم في سبيل تربية أطفالهم ، ويستمدوا العون من الله العلي القدير في الوصول إلى هذا الهدف المقدس .

المصدر: الطفل بين الوراثة والتربية - الشيخ محمد تقي فلسفي

 



 
 


أهل البيت عليهم السلام :

  • النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم
  • أمير المؤمنين علي عليه السلام
  • الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام
  • الامام الحسن عليه السلام
  • الإمام الحسين عليه السلام
  • الامام علي السجاد عليه السلام
  • الإمام الباقر عليه السلام
  • الإمام جعفر الصادق عليه السلام
  • الإمام موسى الكاظم عليه السلام
  • الإمام علي الرضا عليه السلام
  • الإمام محمد الجواد عليه السلام
  • الإمام علي الهادي عليه السلام
  • الإمام الحسن العسكري عليه السلام
  • الإمام الحجة المهدي عليه السلام

تربية أخلاقية :

  • أخلاقيات

فكر وعقيدة :

  • عقائديات

مقالات ومواضيع منوعة :

  • المرأة والطفل
  • منوعات
  • مقابلات مع الشيخ علي الدهنين دام عزه
  • محاضرات مكتوبة للشيخ الدهنين
  • شخصيات إسلامية

سير بعض العلماء :

  • آية الله العظمى الشيخ بهجت

القسم الصوتي والمرئي :

  • محاضرات محرم لعام 1434 هـ

سماحة الشيخ حيدر السندي :

  • التوحيد الإلهي
  • العدل الإلهي
  • النبوة
  • الإمامة
  • أهل البيت عليهم السلام
  • الإمام المهدي عليه السلام
  • منوعات
  • منوعات فقهية
  • على ضفاف الطف
     جديد القسم :



 حديث( علي حبه حسنة ) فوق شبهة التغرير في ارتكاب السيئة:

 المرأة عند الشيعة

 دفع شبهة ترتبط بعمومية الرسالة الخاتمية:

 البحث الثالث: من قتل الإمام الحسين عليه السلام؟

 آلية الإصلاح في النهضة الحسينية

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثالث)

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثاني)

 عظمة النهضة الحسينية (القسم الأول)

 التوسل بالأنبياء وفعل المشركين

 المرجع الأعلى إذا تحدث

     البحث في القسم :


  

     مقالات عشوائية :



 آداب الأخوة والصداقة

 السيدة زينب بنت الإمام أمير المؤمنين عليهما السلام

 حديث( علي حبه حسنة ) فوق شبهة التغرير في ارتكاب السيئة:

 علي -ع- مع الرسول - ص- بعد البعثة

 الإمام الكاظم (عليه السلام) ومعالجة الانهيار الاخلاقي

 الاستدلال بمقام أمير المؤمنين عليه السلام في القيامة على أفضليته في الدنيا

 الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) في سطور

 علي عليه السلام عنده علم الكتاب

 مناظرة الامام الرضا عليه السلام مع المأمون العباسي في عصمة الانبياء ( ع )

 محاضرات شهر محرم لعام 1434 هـ

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • راسلنا - إتصل بنا
  • أرسل إستفتاء / سؤال
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

 زاد المعاد : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه  @  www.zaad.org

تصميم وبرمجة وإستضافة الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net